سلايدرمقالات

عن التفرقة العنصرية

*إبراهيم عبد المجيد

يشتعل العالم الغربي الآن، أوروبا وأمريكا، بالمظاهرات التي تندد بالعنصرية بعد مقتل الرجل الأسود جورج فلويد تحت ساق الشرطي الأمريكي في الخامس والعشرين من مايو/أيار الماضي في مدينة مينابوليس في ولاية مينيسوتا الأمريكية. مضى الآن شهر، وما زالت المظاهرات والاضطرابات في أمريكا في كل الولايات تقريبا لا تتوقف، وبعدها اشتعلت في أوروبا، وإن تفاوتت حدتها بين بلد وآخر، فتبدو في إنكلترا وفرنسا أقوى من غيرها.
أول ما أدهشني هو هذا الخروج الكبير جدا في أمريكا رغم كورونا، لكن طبعا بقليل من التفكير تعرف أنهم هناك اتخذوا كثيرا من الإجراءات التي قللت من انتشار الوباء، فضلا عن أن المتظاهرين في أغلبهم وإن لم يكن كلهم، يضعون الكمامات على وجوههم، احترازا من العدوى، وكثيرا ما يتباعدون. الشعارات المرفوعة كلها تتحدث عن ضرورة وقف النزعة العنصرية والتوقف عن اعتبار السود أقل في القيمة، فحياة السود صعبة والتوقف حتى عن كلمة زنجي فهي تحيل إلى معنى عبد. كنت وما زلت أرى في المظاهرات الأعداد الغفيرة من البيض أكثر من السود. طبيعي أن تتحول مثل هذه المظاهرات إلى شيء من التخريب، على الأقل في البداية حيت يدخل إليها بعض اللصوص أو المحتاجين أو شديدي الغضب، لكن ما تلبث هذه الظاهرة أن تتوقف وقد حدث.
طبيعي أن يتم الاعتداء أو التشاجر مع بعض قوات البوليس، لكن ما تلبث أيضا الظاهرة أن تتوقف حين صار ظهور البوليس لا يعني أكثر من تنظيم التظاهر لا التدخل فيه. طبعا إذاعاتنا ومحطاتنا التلفزيونية العربية، انقسمت حسب أحوال النظم السياسية، فهناك من لم ير في المظاهرات غير الخراب، ويركز على مظاهر التخريب التي تقريبا انتهت بسرعة، وهناك من يرى أهمية الظاهرة، احتجاجا على التفرقة العنصرية، وهناك من يقف على الحياد ويعالج المتابعة بحيادية وحرفية. اندفعت المظاهرات إلى حد إسقاط تمثال تاجر العبيد إدوارد كولستون من إحدى ساحات مدينة بريستولو في بريطانيا، وإسقاط التمثال في نهر آفون، وكذلك إسقاط تمثال تاجر العبيد روبرت ميليجان من مكانه أمام أحد أشهر المتاحف في لندن، كذلك أزالت بلدية سان فرانسيسكو في أمريكا تمثال كريستوفر كولومبوس، تذكيرا بما جرى مع الهنود الحمر. وهكذا بدا أن هناك تصميما على محو كل ما يتصل بتجارة وجلب واستعباد السود من افريقيا، والمآسي الكبرى التي حدثت لهم والنضال الكبير الذي قاموا به، ومعهم أحرار من البيض ليصلوا إلى ما وصلوا إليه من مكاسب في الحياة فصاروا في مواقع الحكم ومواقع الفن، ومواقع البحث العلمي، وكل مواقع الحياة، لكن حادثة قتل جورج فلويد أكدت أنه لا يزال في نفوس بعض البيض شيء من الاستهانة والاحتقار للسود، فجرتها وأعلنتها سياسة ترامب العنصرية.
بعيدا عن الوضع الأمريكي، وعما يقال عن استغلال الديمقراطيين للحدث، أو حركة «أنتيفا» اليسارية المضادة للفاشية، التي وصفها ترامب بالإرهابية، فهذا لا يعني أن الجموع الهادرة في كل الولايات تابعة للحزب الديمقراطي مثلا، ولا لجماعة «أنتيفا» لكنها المحطات الإذاعية والتلفزيونية الموالية لسياسة ترامب، المشجعة للديكتاتوريات في الشرق الأوسط وغيره، هي التي تدفع المتحدثين ليقولوا ذلك، ووصل الأمر ببعضهم، في مسخرة كبيرة جدا، أن يرى أن وراء ما يحدث جماعة الإخوان المسلمين في أمريكا. في بلادنا كل شيء جاد يتحول إلى مسخرة، ولقد تعودنا ذلك. لقد كان أكبراتهام للمثقفين بالشيوعية أيام جمال عبد الناصر، الذي كان حليفا للاتحاد السوفييتي، وأكبر اتهام بالعمالة لأمريكا وإسرائيل منذ عهد السادات حتى الآن، وليس أجمل من علاقة النظام بأمريكا وإسرائيل.

يثير ما حدث أسئلة بعيدة عن أمريكا، لكن عما يحدث في فلسطين المحتلة، وما ترتكبه إسرائيل من اعتداء لا يتوقف على أراضي الفلسطينيين وطردهم منها. وإذا كانت هناك عُصبة صهيونية أو يهودية في العالم، فما هي العصبة في عالمنا العربي الساكت على ذلك، ولا يرى أن ما تفعله إسرائيل هو العنصرية في أقبح صورها، فهي ترى أنها صاحبة الأرض الوحيدة لوعد من الله في التوراة، التي ألفوها وكتبوها. الأخطر من ذلك أن جنود إسرائيل نفسهم يقتلون الشباب الفلسطيني، ويعتدون عليه وعلى النساء والأطفال، ويلقون بهم إلى الأرض ويدوسون عليهم بسيقانهم وأقدامهم، في أشكال أفظع من شكل الشرطي الأمريكي مع الرجل الأسود جورج فلويد. يبدو هذا كله غائبا عن إعلامنا، لأنه رسمي ولا يستطيع، فالاقتراب من إسرائيل هو الإشارة التي تتسع الآن. العالم حقا لا يقف عند ما تفعله إسرائيل، لكن أن تتوقف أنظمتنا أو إعلامها فهي فرصة أيضا للعالم أن لا يقف.
أعود إلى ما جرى من إسقاط التماثيل كرمز لإدانة كل مظاهر العنصرية التي وصلت إلى حذف فيلم «ذهب مع الريح» من اليوتيوب، لما فيه من مشاهد العبودية، رغم أن تركيز الفيلم أساسا على الحرب الأهلية الأمريكية، التي كان تحرير العبيد أحد شعاراتها، ومشاهد العبيد في الفيلم تدعو للسخط لا الموافقة، لكن هكذا جرت الأمور. أتلفت ورائي إلى تاريخنا العربي وتاريخ العبودية فيه. إن قراءة كتب التراث التاريخية فيها آلاف الصفحات عن العبودية، سواء من الرجال أو من النساء، الإماء، وعشرات من الحكام المشاهير في التاريخ من الملوك والولاة كان لديهم المئات من العبيد والإماء. وكان الأمر يصل إلى إخصاء العبيد من الرجال، حتى إذا تعاملوا مع الإماء أو الحريم كما كان يقال لا تكون هناك فرصة لأي طرف في الاقتراب الجنسي من الآخر. حفلت الدولة الأموية بذلك والدولة العباسية والدولة العثمانية وسائر الولايات، وظل الاستعباد قائما، حتى رأت إنكلترا في تحرير العبيد في العالم العربي فرصة أن تقترب من شواطئه الجنوبية في الجزيرة العربية لاحتلالها. وتحت شعار تحرير العبيد احتلت شواطئ عمان واليمن ووصل تأثيرها إلى السعودية، بينما كانت هي تتاجر في العبيد. المهم أنه تم تحرير العبيد في النهاية. هل يمكن أن نعيد النظر كما يفعلون في العالم الآن، في الأسماء التي تم تقديسها في التاريخ من الحكام والولاة؟ من يستطيع أن يفعل ذلك. لا أظن. سيمضي الأمر كما هو وسنظل سعداء بما يفعله الغرب، ونقول سعداء أكثر أن العالم يتغير ولا ننتبه أنه لا يتغير عندنا، فالأرض التي نقف فوقها مليئة بالآثام. سنظل نتحدث سعداء عن التغير الذي سيحدث في العالم نحو إنسانية أكبر وسقوط شعارت اليمين الزائفة، ونتخيل سعداء أن هذا سيحدث عندنا، لكنه لن يحدث. كما قلت هنا من قبل ستزداد الأنظمة قمعا، ومن ثم فمسألة إعادة النظر في أيقوناتنا من الحكام والغزاة العرب والمسلمين لن تحدث. سيكون الرد عليها أن هذا كان يحدث في كل الدنيا ولن يلتفت أحد أنه في كل الدنيا يعاد النظر. والحقيقة أيضا أن هذا ليس ولن يكون محل اهتمام من الأنظمة التي كانت وما زالت تفعل بمعارضيها أكثر مما فعله الشرطي الأمريكي بجورج فلويد.

*المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق