سلايدرمقالات

فرج فودة والسؤال الغائب حتى الآن

*إبراهيم عبد المجيد

 

في الثامن من يونيو/حزيران عام 1992 تم اغتيال الكاتب والمفكر فرج فودة. انتظره شابان من الجماعة الإسلامية على دراجة بخارية، أمام جمعيته التي أسسها من قبل وهي «الجمعية المصرية للتنوير» في مصر الجديدة. وفي الساعة السادسة والنصف مساء، وعند خروجه من الجمعية انطلق أحد الشابين بالدراجة البخارية، وأطلق الثاني الرصاص من رشاش آلي، فأصاب فرج فودة إصابات بالغة مات بعدها في المستشفى بعد ساعات. ليس جديدا أن أقول إن كتابات فرج فودة كانت مصدر قلق ورعب للتيارات الإسلامية على اختلافها ، وهي التي كانت تحتل واجهة المشهد الثقافي والاجتماعي. كانت الدولة منذ أيام السادات تري فيهم حلا لموازنة التيارات اليسارية، على اختلافها فسمحت لهم بالتمدد اقتصاديا، كما فتحت لهم القنوات التلفزيونية، فهم القادرون على أخذ الناس إلى الآخرة وترك الدنيا للحكام، ينهبون فيها ومعهم رجالهم.
ورغم أن الوقت كان وقت عمليات عنف وإرهاب، لكن ذلك لم يُرجع الدولة عن تفكيرها. لقد حاولوا من قبل اغتيال وزير الداخلية الأسبق اللواء حسن أبو باشا والكاتب مكرم محمد أحمد عام 1987، ونجحوا في اغتيال الدكتور رفعت المحجوب عام 1990. انتشرت عمليات تدمير محلات الفيديو وبيع الخمور، وقتل الأقباط والهجوم على محلاتهم وصيدلياتهم في الصعيد. كانت الدولة تواجه هذا العنف لكن في الوقت الذي تتركهم يتمددون في كل أنشطة البلاد وأحزابها وصحفها ونقاباتها، فهم ظهيرها الذي يُغَيِّب الشعب عن أي عمل سياسي حقيقي.
لقد كتب فرج فودة كتابه «الإرهاب» عام 1988، وكان رأيه أنه رغم نجاحات الدولة في مواجهة هذا العنف، لكن ذلك ليس الحل، بل الحل هو في اتساع مساحة الديمقراطية، حتى للتيارات الإسلامية، وسيادة القانون على الجميع، وأن يكون للإعلام دور كبير في الترويج للدولة المدنية، وطبعا يشمل ذلك التعليم، لكن حتى هذا لم يعجبهم. وما يقوله الإسلاميون عن أن إرهابهم ناتج من سجنهم أيام عبد الناصر ليس صحيحا فالنزوع للإرهاب مظهر أساسي في أفكارهم من قبل ثورة يوليو/تموز 1952 وبعدها.
لم يكن فرج فودة فقط مجرد كاتب أو مفكر، لكنه أيضا كان يمارس العمل السياسي في حزب الوفد، الذي تركه حين رآه يتحالف مع الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية، وحاول تأسيس حزب خاص، لكن لم يحصل على الترخيص. تعرض بسبب كتبه ومقالاته إلى كثير من التشويه من كتّاب التيارات الإسلامية المشاهير، وقيل فيه ما لا يقال عن أي شخص من نوع أنه من الدعاة للزنا، وأنه يمارسه في جمعيته الثقافية للتنوير، المشار إليها سابقا، وغير ذلك من كثير جدا من الوقاحة التي لا يتخيلها بشر. لم يكونوا يقولون هذا الكلام في صحفهم الكثيرة، لكن أيضا في الصحف القومية. هو لم تكن تفارقه ضحكته أبدا. لم يكن متاحا له الظهور في التلفزيون، الذي كان يظهر فيه أصحاب هذه التيارات المتخلفة. كانت أفكاره في المقالات والكتب فقط، ونادرا ما يظهر في برنامج إذاعي أو تلفزيوني مثلهم. لكن نشاطه السياسي وانفصاله عن حزب الوفد، ومحاولته التي أفشلتها الدولة في إقامة حزب جديد، وفرت له الشهرة، فضلا عن كونه حاصلا على الدكتوراه في العلوم الزراعية، فكان تحوله إلى الفكر أمرا مدهشا للجميع. كانت حكاية فصل الدين عن الدولة تعني عندهم الردة والكفر، وهذا ما فعلوه معه، رغم أنه لم يكن معترضا على أن يكون الدين الإسلامي مصدرا رئيسيا من مصادر التشريع في دستور عام 1971 لكن كان اعتراضه على ما فعله السادات من تغيير لهذه المادة الدستورية عام 1981 قبل وفاته، وجعلها «المصدر الرئيسي للتشريع». إضافة الألف واللام جعلت الأمة كلها في كنف الشريعة الإسلامية، التي كما فيها من الثوابت، فيها من المتغيرات وفقا للعصور وتغيرها.

غير مقالاته كتب كتبا مهمة، أثارت الفزع عندهم وكانت رائجة مثل «الحقيقة الغائبة» و»الإرهاب» الذي أشرت إليه و»حوار حول العلمانية» وغيرها. كان كتابه «الحقيقة الغائبة» من أكثرها رواجا، فهو يحتج على القائلين بأن الإسلام دين ودولة، بأن الاسلام دين والدولة كانت دائما عبئا عليه، على مرّ التاريخ. وكيف يكرر التاريخ نفسه ونعيش كما عاش أسلافنا بعد مئات السنين من التطور، بدون تفكير، وما الفرق بين الانسان والحيوان إلا في التطور والمعرفة، وغير ذلك كثير. المهم أن هذا الكتاب كان أكثر كتبه إثارة للجدل، رغم أنه يفكر بدون سلطة، بينما هم معهم السلطة في الشارع، وتفتح لهم السلطة إعلامها، خاصة الإذاعة والتلفزيون، ناهيك من الصحف. لقد كانت مناظرته الكبرى في معرض الكتاب في يناير/كانون الثاني عام 1992. كانت قاعة الندوات الكبرى مخصصة للندوات السياسية والفكرية مع الأسماء الكبيرة، بينما كان المقهى الثقافي مخصصا للندوات الأدبية وللشباب أكثر من غيرهم. كنت أنا مشرفا على نشاط المقهي الثقافي، ولم أحضر المناظرة التي على بعد خطوات، ليس لأي انشغال، لكن كانت القاعة الكبيرة التي على جانبيها شارعان كبيران ملغومة بالسلفيين وأصحاب الذقون والجلابيب، جالسين على الأرض فما بالك بداخلها. كان الآلاف من حشودهم وكانت الهتافات إلى السماء «لا إله إلا الله» و»الله غايتنا والرسول قدوتنا» وغيرها في الداخل والخارج، وكانت الميكروفونات تذيع ما في الداخل. أدركت أن اليوم لن يمر بخير. لكنه مرّ وانصرفت الحشود بائسة، وأدركت أن المناظرة لم تكن في صالحهم.
كان هو في ناحية، ومعه الدكتور محمد خلف الله أحمد، أحد كبارالمستنيرين في الفكر الإسلامي، وفي الناحية الأخرى الشيخ محمد الغزالي، والدكتور محمد عمارة ومرشد الإخوان المسلمين مأمون الهضيبي، وبعدها انقلبت الدنيا. الحديث طويل عن رجال الأزهر ولجنة علمائه الذين اعتبروا ما حدث هزيمة لا يمكن الخروج منها، إلا باعتبار فرج فودة مرتدا، والفتوى بقتل المرتد موجودة من قبل بسنوات، أفتى بها الشيخ عمر عبد الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية. في المحكمة طلب المحامون شهادة الدكتور محمود مزروعة ـ رئيس قسم العقائد والأديان في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر. وفي يوم شهادة الدكتور مزروعة تطوع للشهادة الشيخ محمد الغزالي، واستمرت شهادته لمدة نصف ساعة، وقال فيها «إن فرج فودة بما قاله وفعله كان في حكم المرتد، والمرتد مهدور الدم، وولي الأمر هو المسؤول عن تطبيق الحد، وأن التهمة التي ينبغي أن يحاسب عليها الشباب الواقفون في القفص ليست هي القتل، وإنما هي الافتئات على السلطة في تطبيق الحد»، كأن هذا لا يرخص لهم ولغيرهم إقامة الحدود على الناس! وأعود إلى السؤال الغائب حتى الآن، والذي ربما وضح لكم وهو، كيف حقا لا تفتح الدولة التي تريد تجديد الفكر الإسلامي أبواب إعلامها ومدارسها لهذا التجديد. كيف حقا حتى الآن يتم اتهام من يجرؤ على ذلك بالكفر، ويبدو خروجه في التلفزيون طريقا إلى هذا الاتهام. الإجابة مستمرة. ليس أفضل من هذا الفريق لتغييب وعي الناس عن الدنيا فيفوز بها الحكام ومن في دائرتهم.

*المصدر: القدس العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق