أخبار ثقافية وفنيةسلايدر

كورونا يهدد بإغلاق متحف جين أوستن نهائيا في لندن

*سناء عبد العزيز

 

على بعد ساعة ونصف الساعة من جنوب غربي وسط لندن، في قرية تشاوتون تحديداً، يوجد مبنى من القرميد، وسط أكواخ ريفية بسيطة من القش، كل غرفة فيه تحوي متعلقات حميمة، للكاتبة البريطانية المحبوبة جين أوستن، لعل أميزها طاولة صغيرة اعتادت الكتابة عليها، جوار نافذة غرفة الطعام، وقصاصات من الورق كانت تخفيها بسهولة كلما قاطعها أحد.

إلى جوار الطاولة، توزعت أعمال تطريز تشي بمهارتها، غطاء سرير مبطن تشاركت مع والدتها في حياكته، كثير من الرسائل تم عرضها على نحو دوار في خزانة خاصة، عدد من الصور لأسرة من الطبقة المتوسطة مكونة من نساء وحيدات، قطع من المجوهرات، صليبان من العنبر، فضلاً عن مسودات كل ما كتبته خلال حياتها القصيرة.

نداء عاجل

يضم المتحف أيضاً لوحة لماري بيارسون، خطيبة أخيها هنري ويعتقد بأنها الملهمة لشخصية ليديا الفتاة الهاربة مع أحد الجنود في روايتها “كبرياء وهوى”، الرواية الأكثر شهرة، ليس بين أعمالها فحسب، بل في تاريخ الأدب الإنجليزي، وواحدة من أولى الروايات الرومانسية الساخرة في تاريخ الرواية بأكمله، وقالت عنها الكاتبة الأميركية آنا كويندلين: “رواية “كبرياء وهوى” تحمل العنصر الذي تحمله بقية القصص العظيمة الأخرى وهو البحث عن الذات. كما أنها أول رواية تعلمنا أن هذا البحث يبدأ في غرفة التسلية بحوار صغير مثل السعي وراء موبي ديك أو العقوبة العامة للزنى”.

من بين الرسائل، رسالة تعود لعام 1813 بخط أوستن تقع في أربع صفحات موجهة إلى أختها كاسندرا، تحكي لها عن تفصيل يومٍ مرت به، بدءاً من رحلتها إلى طبيب الأسنان مع ابنة اختها حتى مرض والدتها، وصفتها كاثرين ساذرلاند، خبيرة مقتنيات متحف أوستن والدارسة لأعمالها، بأنها “جوهرة”.

إنه المنزل الذي قضت فيه سنواتها الثماني الأخيرة مع أمها وشقيقتها كاساندرا، قبل أن تغادر الحياة في يوليو (تموز) 1817 عن عمر يناهز 41 سنةً. ولأجله تأسست جمعية خيرية أطلقت على نفسها “The Jane Austen Memorial Trust” راحت تجمع الأموال للحفاظ على إرثٍ عزيز على قرائها، إلى أن تمكنت من شرائه وتحويله إلى متحف في عام 1949، ومنذ ذلك الحين يفتح أبوابه يومياً للزوار من مارس (آذار) حتى ديسمبر(كانون الأول) .

قبل أيام أطلقت مديرته، ليزي دانفورد، نداء عاجلاً لمحبي أوستن، بعد تعرضه لخطر الإغلاق بسبب الضغوط المالية، لأن موارده تعتمد بنسبة مئة في المئة على الزوار وقليل من الداعمين، تقول دانفورد: “عندما أغلقت أبوابه في 20 مارس (آذار) بسبب جائحة الفيروس التاجي، فقد المتحف، الذي يعمل فيه 16 موظفاً و50 متطوعاً، كل دخله تقريباً… إنها “مخاطرة حقيقية للغاية” أن يغلق المتحف بشكل دائم قبل نهاية عام 2020، بما يضم من مسودّات أولى ورسائل ومتعلّقات تخصّ عائلة أوستن سيتم تفريقها لا بدّ وتسريح جميع الموظفين من العمل، فعلى كل شخص في جميع أنحاء العالم استطاع الهروب من الواقع مع إحدى روايات جين الرائعة أن يساعد في ضمان بقاء المنزل الذي شهد ظهور تلك الروايات لأول مرة”. ولطالما اعترف قراء أوستن بقدرتها المدهشة على تغييبهم عن العالم الواقعي، إلى عوالمها المتخيلة،  وهذا أشد ما نحن بحاجة لها الآن!

إنقاذ المتحف

حدد المتحف هدفاً لضمان بقائه في ظل الجائحة التي تهدده وتهدد العالم، بقيمة 75000 جنيه إسترليني، جُمع منها بالفعل أكثر من 13000 جنيه، ما جعل ساذرلاند تعرب عن سعادتها وشعورها بالفخر لتلبية النداء في الوقت الذي تقدم لنا الروايات والموسيقى والمسرحيات بحسب ما قالت “نوافذ على حيوات بديلة وطرقاً للوجود” أكثر من أي وقت مضى. فالقراء الذين يأتون لزيارتنا من جميع أنحاء العالم إنما يرغبون في استكمال القراءة كنوع من إثبات الأصالة، وتأكيداً على تحقيق اتصال أكثر حميمية مع ما كتبته أوستن، وتضيف ساذرلاند: “سنكون جميعاً أكثر عوزاً من دون هذه الأماكن الخاصة، إننا مدينون لأنفسنا بإنقاذه”.

إلى جانب ساذرلاند ودانفورد، احتشد العديد من الشخصيات العامة دعماً لبقاء المتحف، بما في ذلك المؤرخة والمذيعة والقيِّمة الفنية في القصور الملكية التاريخية، لوسي وورسلي، التي حثّت على التبرع إلى “المكان الذي أنهت فيه المؤلفة المفضلة لكل شخص مرهف الإحساس رواياتها الست”. أيضاً دعا الممثل صموئيل ويست والكاتب المسرحي لورا واد الناس إلى المبادرة بالتبرع، وأشاد البستاني والمذيع آلان تشتمارش، الذي يعيش بالقرب من المتحف، في مقطع فيديو بقدرة أوستن على خلق “عالم حقيقي بوسعنا الآن أن نشاركها إياه”.

الاحتفاء بالرواد

تقول الرسامة المكسيكية فريدا كالو: “من يموتون بالفعل هم أولئك الذين لم يعيشوا على الإطلاق، أما من عاشوا على الرغم من رحيلهم، فأولئك يتركون أثراً في من يأتون بعدهم، يبثون فيهم أحاسيس جديدة، ورغبات”. يصدق هذا الكلام تماماً على أوستن، فقد اجتذبت إلى عالمها كثيراً من المريدين المعجبين بها لدرجة الهوس. وأعيد (يعاد) طبع رواياتها منذ رحيلها مرات ومرات، منها مثلاً، رواية “كبرياء وهوى”، التي صدرت عن دار بنغوين وباعت طبعة واحدة منها ما قيمته 12 ألف نسخة في شهر واحد.

ألهمت أوستن مخرجي الأفلام بدءاً من الأربعينيات، وجرى تحويل معظمها إلى أفلام تليفزيونية وأفلام سينمائية ومسلسلات ومسرحيات، منها “كبرياء وهوى” الذي أنتجته شركة مترو غولدين ماير عام 1940، بطولة سير لورانس أوليفييه والممثلة غرير غارسون، وآخر ما تم اقتباسه من تلك الرواية الملهمة، كان في عام 2006 إخراج جو وايت وبطولة كيرا نايتلي التي رشحت عن قيامها بشخصية إليزبيث إلى أوسكار أفضل ممثلة. حقّق الفيلم إلى جانب الإعجاب النقدي والجماهيري أربعة ترشيحات أوسكار وستة في البافتا وغيرها من المهرجانات والجوائز السينمائية. أيضاً فاز فيلم “العقل والإحساس” عام 1995 بجائزة أحسن سيناريو، كما حقق “إيما” في أول يوم عرض فيه ما يربو على 2.5 مليون دولار، وفيلم “الحب والصداقة” عام 2016 بطولة كيت بيكينسيل، وفي التسعينيات أنتجت الـ”بي. بي. سي” عن روايتيها “إيما”، و”كبرياء وهوى” مسلسلين تليفزيونيين جذبا انتباه الجمهور بشدة.

لن تجد فيلماً مأخوذاً عن أي عمل لأوستن يخلو من فتاة شابة تجيد العزف على البيانو بمهارة، وبفضل المساعدة التي قدمتها جامعة “ساوث هامبتون” البريطانية، تم الكشف عن نحو 600 قطعة موسيقية تنتمي إلى أوستن تمت إتاحتها عبر شبكة الإنترنت.

في 16 ديسمبر(كانون الأول) دأب محبوها على الاحتفال بذكرى ميلادها، فإذا كنت هناك في ذلك اليوم، فقد يحالفك الحظ ويمرّ بك موكب المهرجان السنوي الذي يرتدي المشاركون فيه أزياء تشبه ما كان يرتديه أبطال وشخصيات رواياتها، وهم يتجولون في ممشى خاص. وفي عام 2017 بمناسبة مرور 200 عام على وفاتها تم إصدار ورقة بنكنوت فئة 10 جنيهات إسترليني تحمل صورتها.

أنشودة البجعة الأخيرة

في بداية مسيرتها، صدرت أعمالها من دون اسم، ربما لأنه لم يكن يليق بالمرأة آنذاك أن تتكسب من مهنة الكتابة، وقد يكون من المرجح خوفها من الفشل فأرادت أن تجنّب أسرتها أي نقد لاذع. وعلى الرغم من ذلك واجهت انتقادات شتى، شأن كل من يحاول بعزم لا يقبل الهوادة، هزّ الثوابت والمعتقدات المجتمعية الراسخة في محاولاتها المستميتة لتوعية المرأة أكثر بذاتها.

لم تتزوج أوستن، لا هي ولا شقيقتها، وإن نجحت في تقديم صورة واقعية لمجتمعها وعجز الزواج، ذلك الرباط المقدس، عن تحقيق سعادة الرجل والمرأة على حد سواء. وبحسب دراسة عن أعمالها المبكرة في فترة المراهقة التي لم تنشر مطلقاً، تم التوصل إلى حقيقة مشاعرها المتقدة بما تضمنته من تفاصيل جنسية ونساء ثملات يتسمن بالعنف.

علاوة على رواياتها الأربع “عقل وعاطفة” التي حققت نجاحاً باهراً و”كبرياء وهوى” التي أطلقت عليها طفلتي المحبوبة، و”منتزه مانسفيلد”، و”إيما”، صدرت لها روايتان بعد وفاتها؛ “الإقناع” و”دير نورثانغر” ورواية لم تكتمل، توقفت في فصلها الثاني عشر حين تغلب عليها المرض وأضعف قواها تماماً، فاضطرت إلى الرحيل من دون أن تكمل أنشودتها الأخيرة.

*المصدر: الإندبندنت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق