*رحمن خضير عباس

رغم توسلات لودڤيج فان بيتهوفن لأبيه أن يتركه نائما. ولكن الأب يوهان يصر على دوام تدريب ابنه على عزف البيانو إلى ساعات متأخرة من الليل، وحينما يأتي الصباح يتعين على لودفيج الطفل أن يلتحق بالمدرسة، فيذهب مُثقلا بالتعب، ويتلقى العقاب من معلميه أيضا، لأنه غير قادر على التركيز.
وهكذا كانت طفولته بائسة وقاسية. ورغم أن الموسيقى هي مهنة الأب يوهان ولكنه لم يبدع فيها بسبب إدمانه على الخمر، لذلك أراد أن يصنع من ولده عبقرية مماثلة لعبقرية موتسارت الذي ذاع صيته آنذاك. وبين قسوة التدريب وذكاء الطفل ومثابرته، أصبح لودفيج بتهوفن واحدا من أكبر المؤلفين الموسيقيين في كل العصور.
استطاع بيتهوڤن أن يؤلف بعض الأعمال الموسيقية والتي عزفها على البيانو في طفولته، وحينما أصبح شابا، وجد أن مدينة بون التي وُلد فيها لا تحقق طموحاته، فسافر إلى فيينا التي كانت عاصمة للإبداع الموسيقي، ورغم أنه كان متلهفا للقاء موتسارت، لكنه لم يستطع لأن الأخير مات قبل عامين من وصول بتهوفن، فتتلمذ على يد هايدن. واستطاع أن يصبح في فترة وجيزة من أبرز المؤلفين الموسيقيين في فيينا. وقد أعاد الاعتبار للمكانة الاجتماعية للموسيقيين والذين كانوا يُعاملون كالخدم في بلاطات النبلاء، أما بتهوفن فقد تعامل مع طبقة النبلاء بنديّة، وأجبرهم بموهبته وبقوة شخصيته أن يجالسوه في موائدهم الفخمة.
وفي أحد الأيام كان يتنزه في الحقول مع صديقه الشاعر الألماني غوته، وقد التقيا مصادفة بكوكبة من الفرسان النبلاء، مما جعل غوته ينحني لهم احتراما، مما أغضب بتهوفن الذي صرخ به قائلا:
“لا تنحن لهم فهناك الكثير من النبلاء، ولكن لا يوجد سوى شاعر واحد”.

لقد كان بتهوفن متعجرفا في سلوكه وفخورا بنفسه لأنه يدرك سرّ تفوّقه، كما كان سريع الغضب وحاد الطبع والمزاج مع الجميع، فحينما يعزف مقطوعة على البيانو يصمت الجميع، لأنه يتوقف عن العزف مباشرة إذا وجد ثمة من لم يُصغ إليه.
تمرُّ في هذا العام الذكرى المائتان والخمسون لميلاد لودفيج فان بتهوفن، وقد خصصت الكثير من الدراسات التي تناولت حياته وموسيقاه، وكُتب عنه الكثير، ولكني سأتناول فيلمين سينمائيين تناولا بعض الزواية من حياته وفنّه، وهما “الحب الأبدي” و”ناسخة بتهوفن”.
ففي فيلم “الحب الأبدي” الذي أخرجه الفنان برنارد روز، يظهر صديقه ومساعده شاندلر وهو يتحدث عنه، ثم نرى تشييعا مهيبا لجنازته، حيث أسلم الروح بعد أن ساءت حالته الصحية عن عمر لا يتعدى السادسة والخمسين.
وبعد انتهاء مراسيم الدفن، يعود صديقه ومساعده شندلر، ليبحث عما ترك من أوراق أو أموال، ولكنه يعثر على وصية، كتبها الراحل بتهوفن قبل وفاته إلى امرأة لم يذكر اسمها. وهذه الوصية التي تُشبه اللغز تقودنا إلى التعرف على تفاصيل حياة بتهوفن وموسيقاه من خلال أسلوب الفلاش باك، وعلى غرار فيلم “المواطن كين” الذي أخرجه وكتبه الفنان الكبير ارسون ويلز.
لقد حاول شندلر أن يقتفي حياة بتهوفن من خلال تقصّيه لعدد من النساء اللواتي كنّ يرتبطن به بشكل أو بآخر، لعله يتوصل إلى سر المرأة المعنيّة برسالته، وقد ذهب إلى الفندق الذي يرتاده بتهوفن أحيانا لقضاء بعض لقاءاته الغرامية، ومن خلال صاحبة الفندق نتعرف على نصف الحكاية، حيث إن بتهوفن كان على موعد مع حبيبته التي كانت تخفي شخصيتها بواسطة الخمار، ولكن بتهوفن يتأخر عن الموعد بسبب عطل العربة، فيرسل إليها رسالة كي يبرر التأخر الخارج عن إرادته، ولكن المرأة تغادر لحظة وصوله، وحينما اكتشف غيابها، انتابته موجة غضب هستيري، جعله يحطم الأثاث وزجاج النوافذ.
وفي خضم البحث عن لغز المرأة صاحبة الرسالة، يلتقي بالكونتيسة جوزفين برونزويك التي تحدثت عن علاقتها به، ومن خلال حديثها، نتعرف على جزء من شخصيته، حيث انجذب إليها وفرض نفسه ليكون معلما موسيقيا لها، ومع ترددها في قبوله في البداية، ولكن صرامته وإبداعه جعلتها تنجرف في حبّه، وقد تعرفنا من خلالها على بعض الجوانب من شخصيته، ومنها بدايات مشاكل السمع الذي أصابه تدريجيا، من خلال استراق النظر إليه وهو يعزف وقد وضع أذنيه على خشب البيانو.
ينتقل شندلر إلى المرأة الثانية وهي من الطبقة الإرستقراطية أيضا، حيث يجدها قد عادت إلى موطنها في المجر. ومن خلال لقائه يكتشف هيامها بموسيقاه وبعبقريته، وتعاطفها الكبير معه حينما كان لا يسمع أصوات الفرقة التي يقودها، مما يجعل الجمهور يغرق من الضحك، فيغرق في حيرته وفشله وتعاسته، وكانت تقدر عبقريته رغم خذلان حاسة السمع له، تلك الحاسة التي كانت بالنسبة إليه كالهواء. ولكنها اعترفت في النهاية على أنها ليست الحبيبة الخالدة موضوع الوصية.

لقد كان بتهوفن متعجرفا في سلوكه وفخورا بنفسه لأنه يدرك سرّ تفوّقه، كما كان سريع الغضب وحاد الطبع والمزاج مع الجميع، فحينما يعزف مقطوعة على البيانو يصمت الجميع، لأنه يتوقف عن العزف مباشرة إذا وجد ثمة من لم يُصغ إليه.
تمرُّ في هذا العام الذكرى المائتان والخمسون لميلاد لودفيج فان بتهوفن، وقد خصصت الكثير من الدراسات التي تناولت حياته وموسيقاه، وكُتب عنه الكثير، ولكني سأتناول فيلمين سينمائيين تناولا بعض الزواية من حياته وفنّه، وهما “الحب الأبدي” و”ناسخة بتهوفن”.
ففي فيلم “الحب الأبدي” الذي أخرجه الفنان برنارد روز، يظهر صديقه ومساعده شاندلر وهو يتحدث عنه، ثم نرى تشييعا مهيبا لجنازته، حيث أسلم الروح بعد أن ساءت حالته الصحية عن عمر لا يتعدى السادسة والخمسين.
وبعد انتهاء مراسيم الدفن، يعود صديقه ومساعده شندلر، ليبحث عما ترك من أوراق أو أموال، ولكنه يعثر على وصية، كتبها الراحل بتهوفن قبل وفاته إلى امرأة لم يذكر اسمها. وهذه الوصية التي تُشبه اللغز تقودنا إلى التعرف على تفاصيل حياة بتهوفن وموسيقاه من خلال أسلوب الفلاش باك، وعلى غرار فيلم “المواطن كين” الذي أخرجه وكتبه الفنان الكبير ارسون ويلز.
لقد حاول شندلر أن يقتفي حياة بتهوفن من خلال تقصّيه لعدد من النساء اللواتي كنّ يرتبطن به بشكل أو بآخر، لعله يتوصل إلى سر المرأة المعنيّة برسالته، وقد ذهب إلى الفندق الذي يرتاده بتهوفن أحيانا لقضاء بعض لقاءاته الغرامية، ومن خلال صاحبة الفندق نتعرف على نصف الحكاية، حيث إن بتهوفن كان على موعد مع حبيبته التي كانت تخفي شخصيتها بواسطة الخمار، ولكن بتهوفن يتأخر عن الموعد بسبب عطل العربة، فيرسل إليها رسالة كي يبرر التأخر الخارج عن إرادته، ولكن المرأة تغادر لحظة وصوله، وحينما اكتشف غيابها، انتابته موجة غضب هستيري، جعله يحطم الأثاث وزجاج النوافذ.
وفي خضم البحث عن لغز المرأة صاحبة الرسالة، يلتقي بالكونتيسة جوزفين برونزويك التي تحدثت عن علاقتها به، ومن خلال حديثها، نتعرف على جزء من شخصيته، حيث انجذب إليها وفرض نفسه ليكون معلما موسيقيا لها، ومع ترددها في قبوله في البداية، ولكن صرامته وإبداعه جعلتها تنجرف في حبّه، وقد تعرفنا من خلالها على بعض الجوانب من شخصيته، ومنها بدايات مشاكل السمع الذي أصابه تدريجيا، من خلال استراق النظر إليه وهو يعزف وقد وضع أذنيه على خشب البيانو.
ينتقل شندلر إلى المرأة الثانية وهي من الطبقة الإرستقراطية أيضا، حيث يجدها قد عادت إلى موطنها في المجر. ومن خلال لقائه يكتشف هيامها بموسيقاه وبعبقريته، وتعاطفها الكبير معه حينما كان لا يسمع أصوات الفرقة التي يقودها، مما يجعل الجمهور يغرق من الضحك، فيغرق في حيرته وفشله وتعاسته، وكانت تقدر عبقريته رغم خذلان حاسة السمع له، تلك الحاسة التي كانت بالنسبة إليه كالهواء. ولكنها اعترفت في النهاية على أنها ليست الحبيبة الخالدة موضوع الوصية.
أصيب بتهوفن بمشاكل في الأذن نتيجة التهابات داخلية، تفاقمت إلى الدرجة التي وصلت إلى الصمم الشامل في العقد الأخير من حياته، فكان ذلك سببا في معاناته واعتكافه على نفسه، حيث كان يتعذب بصمت، وقد وجد في الطبيعة ملاذا، فكان يهيم بها، ويستمع من خلالها إلى أصوات غير مسموعة تداعب صممه. فيحاول أن يدوّنها قبل أن تهرب منه. لذلك فقد استطاع إنتاج العديد من الأعمال الفنية التي جعلته يتسيد على عرش الموسيقى الكلاسيكية، ومن أعماله “السمفونية الثالثة” التي أهداها إلى نابليون، ولكنه حينما علم بأن الأخير نصّب نفسه إمبراطورا، غضب منه وسحب الإهداء، وغيّر اسمها إلى “سمفونية البطولة” والتي كانت تجسد صراع الإنسان من أجل الحرية، وهذا النص الموسيقي كان يمجد أهداف الثورة الفرنسية في الحرية والإخاء والمساواة.
يلتقي شندلر بالمرأة الأخيرة التي تزوجت شقيق لودفيج بتهوفن الأصغر. وهنا يلقي الضوء على هذه الجزئية من حياته. فقد كانت جوهانا حبيبته التي كانت تخفي شخصيتها في الفندق، وحينما أراد شقيقه الزواج منها، حاول بتهوفن المستحيل للحيلولة دون ذلك الزواج، وذلك لأنها صارحته في لقائها به، بأن في بطنها نطفة منه. وبقي يعاملها بقسوة ويتهمها بالعهر، وحينما مات أخوه بداء السل، ازدادت قسوته تجاهها، واستطاع أن يحصل على حق الوصاية لابن أخيه الذي حرمها منه، ولم ندر إلا في نهاية الفيلم أنه كان يهيم بها حبا، وبأن كارل الصغير كان من صلبه.
ورغم أن الفيلم يستمد قصته من حياة بتهوفن الشائكة، ولكنّ بعض أحداثه لا تتميز بالتطابق مع حياة بتهوفن، ومع ذلك فقد كان العمل يحفل بموسيقاه التي ترجمت شخصيته، بغض النظر عن التفاصيل.

لقد أبدع المخرج برنارد روز حينما جعل بتهوفن يستعرض حياته وهو يقف أثناء عزف سمفونيته التاسعة، حيث تطوف الذاكرة بخطواته الأولى، كان طفلا يتسلل من نافذة الدار، وينزلق حافيا نحو غابات شاسعة، حيث الطبيعة الأم بكل بهائها وسكونها، كانت البحيرة زرقاء تزدحم بالنجوم، تتعانق زرقة المياه  بالنجوم التي تتألق في عنق الكون. الطفل بستلقي عاريا على وجه اليمّ بينما تبتعد اللقطة شيئا فشيئا لتتحول إلى حشد لا نهائي من النجوم والأكوان والمجرات، والموسيقى ترتفع بين النجوم وكأنها تداعب الكون، كان بتهوفن في وسط القاعة سارحا في عالمه، لا يدري أن القاعة الكبيرة تضجّ بالتصفيق والهتاف، كان لا يسمعهم، فربت مساعده على كتفه برفق حتى يلتفت إلى الجمهور الذي وقف إجلالا لإبداعه.
أما في الفيلم الأميركي “ناسخة بتهوڤن” والذي أخرجته الفنانة التشيكية أنيشكا هولاند، فيتناول السنوات الأخيرة فقط من حياة بتهوڤن. ويعتمد على قصة متخيلة عن فتاة تدعى آنا هولتز، تتخرج من المعهد الموسيقي، وتتطوع لمساعدة بتهوفن على كتابة نوتاته. وحينما تلتقي به، وتقدم نفسها على أنها أتت إلى مساعدته في نسخ نوتاته. ولكنه يقلل من شأنها باعتبار أن الموسيقى حكر للرجال. ومن خلال عملها وصبرها معه تستمر وتستطيع ترويض طباعه، ونطل على جانب من بؤس حياته، حيث يعيش وحيدا منعزلا في شقة وضيعة، تملؤها الفئران وتتراكم عليها الأتربة، وهو لا يكترث بمظهره وإنما يعيش لموسيقاه فقط، وكأنه قد نأى عمّا يربطه بهذه الحياة. فثمة ستار حديدي بينه وبين الآخرين، فهو لا يكترث لهم. حتى جيرانه كانوا يطلقون عليه أسوء الأوصاف، باستثناء تلك الجارة العجوز التي تتحمل سكره وعربدته وسهره إلى ساعة متأخرة من الليل، ولكنها سعيدة لأنها تسمع إبداعه الموسيقى قبل غيرها. وحينما تعود آن هولتز إلى الدير وتخبر عمتها بأنها تعمل عند بتهوفن، فتحذرها منه قائلة: “إنّه سكير لا يعرف سوى الهرطقة”.
وبمرور الوقت تكتشف النبض الإنساني لهذا الفنان، والذي كان يعاني بصمت، وقد باح لها بالكثير من أفكاره:
“يعتقد البعض بأني أعيش بصمت، بينما رأسي مليء بالأنغام التي لا تتوقف أبدا، لا أرتاح إلا بتدوينها”.
ورغم أن المخرجة قد انطلقت في بناء هذا الفيلم من خلال رؤيتها عن بتهوڤن، ولم تتقيد بتفصيلات حياته ومنعطفاتها، فقد ركّزت على عواطفه الجامحه، وصراعاته، ومدى استلهامه من الخزين الفكري الذي يؤمن به. فيقول:
“نحن الموسيقيين أقرب إلى الله، نسمع صوته ونقرأ شفتيه”.
لقد دخلت آن هولتز في أعماقه السحيقة، وتعرفنا من خلالها على حدة طباعة وقسوته. فحينما قدمت له صديقها المهندس الذي أقام دعوة لإظهار تصميمه لأحد الجسور الحديدية، ولكن بتهوفن سخر من التصميم، وقام بتحطيمه، لأنه رأى أن هذا الجسر مجرد هيكل غبي بدون روح، مما أثار غضب آن هولتز، فتقرر أن تتركه. لكنّه صرخ بها: “يمكنك الذهاب الآن، ولكن هذا لا يحررك مني”. ولكنه في اليوم الثاني ذهب إلى الدير للبحث عنها، طالبا المغفرة عن خطيئته.
كان يدرك بأن نهايته قد حانت وكان معتكفا على إنجاز سمفونيته التاسعة، وحينما انتهى من كتابتها، أعلن بأن الموسيقى ستتغير إلى الأبد. ولكن المشكلة تكمن في قيادة الفرقة الموسيقية، وكيفية الانسجام بينه وبين عزف الفرقة وهو غير قادر على سماعها. ولكن آن هولتز اقترحت أن تجلس في مكان قريب منه، وتسجل له بيديها صدى النغمات الموسيقية، وهكذا بدأ عزف هذه السمفونية التي هزت العالم، وشكلت منعطفا في الفن الموسيقي، كان يقود الفرقة حتى النهاية في صراع بين الصمت والصوت والصدى، كان الذهول والدهشة والإعجاب يلف القاعة، وحينما انتهى العزف، صمت بتهوڤن طويلا، وهو لا يدري رد فعل الجمهور الذي ازدحم في القاعة، وحينما التفت وجد الجميع يصفق له وقوفا.
لقد انتصر على صممه وعزلته ويأسه.
بعد فترة وجيزة من تأليفه للسمفونية التاسعة التي تعتبر من أجمل ما تفتقت بها قريحته، شعر بالضعف والهزال، وقد استسلم للموت، وقد قال لمن حضروا نزعه الأخير:
“صفقوا، لقد انتهت المهزلة”.
_____
*المصدر: ميدل إيست أونلاين.

Leave a comment