سلايدرسينما وتلفزيونفنون

«الكنز 2» محاكمة التاريخ المصري من وجهة نظر السينما

*كمال القاضي

أن تضع معايير سينمائية خاصة لمحاكمة التاريخ، وفق وجهة نظر إنتاجية، أو شخصية، فذلك هو التجني بعينه على التاريخ والسينما على حد سواء، اللهم إلا إذا اتسمت وجهة النظر بالجرأة فكانت مفتاحاً للدخول إلى عوالم الساسة والسياسيين، ومحاولة محمودة لكسر التابوهات المقدسة، وخرقاً لحواجز الصمت والخوف والممنوع.
ما قدمه المخرج شريف عرفة في الجزء الثاني لفيلم «الكنز» لا يعدو كونه مجرد استلهام لحدوتة رومانسية متكررة بين البطل والبطلة من التراث القديم، لكنه على جانب آخر يمثل محاولة لتركيب الأحداث والوقائع التاريخية، لتصبح متصلة منفصلة فتُعطي دلالة ما، مفادها أن التاريخ، في أحيان كثيرة، يعيد نفسه بتفاصيل مختلفة، حيث لا شيء يميزه غير التوقيت الزمني للمراحل والشخصيات.
حكاية علي الزيبق وحبيبته زينب ابنة صاحب النفوذ المُتغطرس، المُلقب بصلاح الكلبي، هي الخط الدرامي الرئيسي والمحوري للصراع الدامي بين البطل الشعبي، الذي جسد شخصيته محمد رمضان، والرجل القوي في السُلطة المُستبدة، الذي تمثل ابنته الحسناء التي لعبت دورها روبي، نقطة ضعف البطل والفارس النبيل، حيث التعارض بين ممارسات السُلطة الجائرة، وحُلم البطل الشاب رمز المقاومة، في تحقيق العدالة، هو المنطقي في مسألة الحقوق والواجبات المتنازع عليها بين الطرفين.
وقد ارتكن شريف عرفة إلى هذا المفهوم، وأخذ يسوق نماذج وأمثلة في حقب زمنية مختلفة، لبلورة المعنى والتأكيد على أن الصراع القديم لا يزال قائماً، وسيظل موجوداً طالما بقيت إمارات العدل غائبة في ممالك الحُكم، وباتت الدول والمُجتمعات تُدار بوكالة الحاشية والكهنة، وأهل الحظوة والمقربين من السلاطين والعروش، بما يشبه الاتفاق الضمني على التواطؤ كحالة راهنة، ووصفة سحرية يتم تداولها وتبادلها بين المجتمعات منذ فجر التاريخ، إذ تمثل السُلطة موطن الخلاف الحقيقي بين الفئات الثلاث، الحُكام والمحكومين وما بينهما من همزات الوصل، كالحكماء والكُهان، حيث تحاول كل فئة من الفئات المتصارعة إثبات أنها صاحبة الحق والأولى من غيرها بالسُلطة ومقاليد الحُكم.
ومن خلال الحكايات والقصص المتداخلة بتواريخها وظروفها يُمعن شريف عرفة كاتباً ومخرجاً، بالتعاون مع السيناريست عبد الرحيم كمال، في سرد الأحداث التاريخية وتفنيدها، عابراً على جسور الأزمنة والأماكن ومتنقلاً بين عصر وعصر، مشيراً إلى تضمينات كل مرحلة وما يشابهها في الحياة المعاصرة، فقد عرج على التاريخ الفرعوني، موضحاً عذابات وهموم الملكة حتشبسوت وأرقها الدائم بالحُكم والحب، مستحضراً الشخصية المُعتبرة في أداء هند صبري التي أدت الدور بما يليق بالملكة وكيانها وكبريائها ورفضها لمشاعر الضعف الإنساني، أمام سطوة العاطفة التي تربطها بالمهندس المعماري الموهوب في العلم وبناء وتشييد المعابد والأهرامات، وهو دور متميز لهاني عادل اجتهد فيه قدر الإمكان، واقترب به من درجة الإقناع المُرضي والمقبول لدى المتلقي.
وبتلك العلاقة العاطفية بين الملكة وأحد أبناء الشعب جاءت الإشارة قوية للخط الرومانسي الموازي للعلاقة العاطفية المتأججة بين علي الزيبق وابنة قائد الشرطة الكلبي، المتمثلة في محمد رمضان وروبي، كقطبين رئيسيين متفاعلين ومتناغمين مع بقية الخطوط الفرعية والثانوية المتعادلة في دلالاتها، والمشار بها إلى الصراعات الأخرى الخفية الموجودة في أروقة الحُكم، بين رجال الدين والصف الثاني من رجال السُلطة، بخلاف الطامحين والطامعين من ذوي المراكز المرموقة في الدولة القديمة، العتيقة والعريقة.
وقد برز من بين الشخصيات القوية في البلاط الملكي الفرعوني، دور الكاهن الأكبر الذي قدمه الفنان محيي إسماعيل بجدارة وصدق متناهيين، بتجسيده لدهاء الشخصية وســــماتها الإنسانية والنفسية الفريدة، ووعيها بما يُدار خلف الأسوار وما تضمره الصدور من أطماع وأحقاد.
وفي المقابل كان الانعكاس الآخر للصراعات الحديثة موحياً بالإسقاط على التاريخ القريب وأزمة السُلطة ذاتها كنتيجة لمُعطيات التأسيس الأولى في الأزمنة القديمة، وهو الملمح الأكثر أهمية في البانوراما السينمائية السياسية، التي اعتنى شريف عرفة كمخرج وكاتب بتقديمها، مُستخدماً شخصية بشير الكتاتني رئيس القلم السياسي، التي جسدها محمد سعد كرمز لتهافت رجل الدولة المتعالي، وضعفه أمام نزوة عارضه مع مغنية تمتلك من آيات السحر والجمال ما يجعله يتعلق كطفل بلعبة في يد غيره، فيسعى لامتلاكها واللهو بها، وهو المعنى المؤكد لنظرية أن الممنوع مرغوب.
ويعد دور رئيس القلم السياسي في أربعينيات القرن الماضي بتلك المواصفات، نوعا فارقا في أداء سعد التمثيلي، وتطوراً إيجابياً في أدواته الفنية البعيدة كل البعد عن التوظيف الكوميدي الخفيف، وهو استنفار لقدراته الكامنة التي نجح عرفة في الاستفادة منها على النحو المطلوب.
وفي ما يتصل بالأدوار الثانوية لبقية النجوم المشاركين، كان عبد العزيز مخيون موفقاً إلى حد بعيد في القيام بأكثر من دور داخل إطار واحد، فقد تقمص باقتدار دور الحكيم آني العليم ببواطن التجارب وخفايا السنين، وأيضاً برع في تقديم صورة رجل الدين السياسي المُمنهج فكرياً وثقافياً. وكذلك كانت الإسهامات النوعية الأخرى لكل من سوسن بدر وأحمد رزق وأمينة خليل، إضافات حقيقية للكنز التاريخي التراجيدي السياسي لشريف عرفة، رغم الإسراف الإنتاجي والتشتت النسبي في الأفكار.

*المصدر: القدس العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق