*انطوان جوكي

 

لأن زمننا بات فصلاً رمادياً واحداً، قررت الكاتبة الاسكتلندية ألي سميث الاحتفاء بفصول الطبيعة الأربعة في رباعية روائية صدرت أجزاؤها الثلاثة الأولى (“خريف”، “صيف”، “شتاء”) والرابع على الطريق. عملٌ طموح غايته أيضاً فضح التمزّق والمشاكل الخطيرة التي تعاني منها بريطانيا اليوم بعد تصويت معظم أبنائها عام 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.

في الجزء الأول من هذه الرباعية، الذي صدرت ترجمته الفرنسية حديثاً عن دار “غراسيه” الباريسية، تستعين سميث بشخصيتين آسرتَين، دانييل وإليزابيت، للقفز بين زمنين: الأسبوع الأول بعد ظهور نتائج استفتاء “بريكست”، ومرحلة التسعينات. دانييل مؤلف موسيقي بلغ عامه المئة وينتظر الموت في دار للعجزة ممدّداً على السرير وعالقاً في تلك المنطقة الضبابية التي تقع بين حلمٍ ويقظة. إليزابيت شابة في سن الثلاثين تزوره بشكل ثابت وتقرأ له روايات.

الصداقة التي تجمعهما نشأت حين كانت إليزابيت في سن الحادية عشرة تعيش مع أمّها، ودانييل في سن السبعين يقيم في المنزل المجاور لهما. وبسرعة تتطور علاقتهما المؤثِّرة والجميلة على وقع نزهاتهما على ضفّتي نهر يعبر قرب داريهما. وخلال واحدة من هذه النزهات، يخلع دانييل ساعته عن معصمه ويرميها في النهر. فعلٌ مجاني في ظاهره، لكن إليزابيت تتذكّره على مر السنين كأمثولة في ضرورة عدم تضييع وقتنا المعدود واستثماره كما يجب. أمثولة لن تكن الوحيدة التي ستتلقاها من صديقها، إذ سيعلّمها خلال هذه النزهات أن تتأمّل وتصغي إلى ما هو حولها، ويفتح عينها على الفن والشعر، ناقلاً إليها شغفه بالكلمات التي كان يشبّهها بشقائق النعمان: “يكفي أن ننكش الأرض كي تنبثق كلمات ناعسة، كلّية الحمرة وجديدة. كلمات تتفتّح، تقع بذورها على الأرض وتنجب كلمات جديدة”.

وضع صعب

وعلى خلفية هذه العلاقة، يتراءى لنا الوضع الصعب الذي تتخبّط فيه بريطانيا حالياً، من خلال مشاهد سريعة معبِّرة. فحين تحاول إليزابيت تجديد جواز سفرها، نأخذ فكرة دقيقة ومخيفة عن سلطة إدارات الدولة ومتطلباتها الإعجازية لإنجاز أي معاملة فيها. وحين تتلقى نبأ مقتل النائبة في البرلمان، نعرف أن نسبة جرائم القتل في ارتفاع مخيف وأنها لم تعد توفّر المسؤولين السياسيين. وحين تقرأ اللافتات المرفوعة على جدران المنازل والمكتوب عليها “كفانا أجانب!” أو حين تسمع ما سيقال لسيّاحٍ إسبان لدى انتظارهم في محطة القطار (“هنا ليست أوروبا. ارحلوا من هنا!”)، نعي مدى تفشّي العنصرية والكراهية في بريطانيا.

كن جردة مشاكل هذا البلد لا تقتصر على ما تراه إليزابيت وتسمعه، فوالدتها ويندي ــ وهي امرأة مزاجيّة لا تنظر بعين الرضا إلى علاقة ابنتها بجارها العجوز ــ لا تضيّع فرصة للتعليق على الوضع المستشري في وطنها وتسطير كل ما يتعبها ويقضّ مضجعها فيه، حتى بعد تحسُّن مزاجها بنعمة قصة حبّ جديدة، كـ “غضب البريطانيين” و”محدودية عقولهم” و”خوفهم غير المبرَّر من الآخر”، و”أكاذيب رجال السياسة الشعوبيين”، و”تحوّل كل شيء في البلد بعد استفتاء “بريكست” إلى مقابلة مانيّة بين نقيضَين”.

ولا عجب في هذا الانحدار الخطير، فحين تحلّ الأخبار المشوِّقة التي تتدفّق بلا انقطاع مكان أمثولات التاريخ، ننغلق على ذاتنا، نرفض التعرّف إلى الآخر والإقرار بمشروعية وجوده، وننسى كل شيء: “الدور الذي كان التاريخ يؤدّيه في الماضي لم يعد سوى ملاحظة في أسفل الصفحة”، تقول الكاتبة في روايتها. ولتعزيز نظرتها القاتمة إلى وطنها وعالمنا اليوم، تستحضر في نصّها أعمال كتّاب كبار إما عن طريق حوارات دانييل وإليزابيت الثقافية أو عن طريق الاستشهاد المعبِّر. ومن هذه الأعمال: “حكاية مدينتين” (1859) التي يصف شارل ديكنز فيها الحياة في مدينتي باريس ولندن خلال أحداث الثورة الفرنسية، وقصيدة “المجيء الثاني” (1920) التي يصوّر الشاعر ويليام ييتس فيها عالم التباسٍ وفوضى وألم، ورواية “عالم جديد شجاع” (1932) التي يتخيّل الكاتب ألدوس هاكسلي فيها عالماً لا أحد يرغب في العيش فيه ويشبه إلى حد كبير عالمنا الراهن، ومسرحية شكسبير “العاصفة التي أوحت لهاكسلي بعنوان روايته المذكورة، و”نشيد إلى الخريف” (1819) لجون كيتس… باختصار، مراجع تشكّل سفراً أدبياً ممتعاً لا تبجّح فيه لأن الكاتبة تستدعي “ركّابها” الأدباء باتّزانٍ وذكاء لافتين، لا بدافع التفاخر بوسع ثقافتها.

رواية بريكست الأولى

حين صدرت “خريف” في العام 2016، بعد أربعة أشهر من الاستفتاء حول خروج بريطانيا أم بقائها في الاتحاد الأوروبي، وصفتها صحيفة “فاينانشال تايمز” بـ “رواية بريكست الأولى”. وعند الوهلة الأولى، قد تبدو الإشارة إلى ارتباط هذا العمل بحدث راهن مقلِّصة لنطاقه ومداه، لكن انخراط سميث في الحاضر وتفاعلها مع أحداثه يشكّلان في الواقع جزءاً من مشروعها الأدبي. ففي صحيفة “غارديان”، أوضحت أنها تريد أن تجعل من رباعيتها القائمة على دورة الفصول تجربة حسّية للزمن، سواء في عبوره السريع أو في راهنيته، وذلك كوريثة لمواطنها ديكنز الذي كان يكتب كل واحدة من سردياته كتأويل للزمن الذي يشكّل إطاراً لها. وفي هذا السياق، يجدر التذكير أيضاً بأن المصدر الللاتيني لكلمة “رواية” بالإنجليزية (novel) يدلل على رابط أكيد بين هذا النوع الأدبي والحدث الراهن.

وبتسليطها ضوءاً كاشفاً على الأحداث الراهنة في روايتها، لا تؤكد سميث مكانة الأدب ودوره في كل زمن فحسب، بل أيضاً على طريقته الفريدة في تأويله. طريقة تنطلق من الواقع لمنح صورة عنه هي ليست الواقع بل تمثيلاً له، تماماً مثل ملصقات الفنانة البريطانية بولين بوتي التي تتعرّف الشابة إليزابيت إلى عملها المثير عن طريق دانييل وتضع أطروحة جامعية حوله. وضمن سعيها إلى إظهار أن لا زمنية أي نصّ أدبي لا تحل دون فاعليّته في زمنٍ محدد، تجعل الكاتبة بطلتها الشابة تردّ على صديقها، حين يصف كتاب “عالم جديد شجاع” الذي كانت تطالعه بالقديم: “أنا أجده جديداً”، قبل أن تقرأه له وهو في حالة غيبوبة، وتستتبعه بـ “حكاية مدينتين” و”التحوّلات” (أوفيد).

باختصار، يتمفصل الماضي والحاضر بشكلٍ تام حين يتعلّق الأمر بأدب يعرف كيف يبتكر فصوله، وكيف يشيّد الواقع ويمثّله، كما في “خريف”. فنٌّ نجد تعريفاً له في ما كتبته إليزابيت في أحد دفاترها حول عمل الفنانة بوتي: “هذا النوع من الفن يسائل ظاهر الأشياء ويسمح بإعادة تفحُّصها، لأنه يجعل منها شيئاً آخر. أن نرى صورة عن الصورة يعني أن نراها بموضوعية جديدة، لأنها تحرّرنا من الأصل”. وهذا تحديداً ما ينتظرنا في “خريف” وما يمنح هذه الرواية كل قيمتها، أي ذلك الاستكشاف البصير لآفات مجتمعاتنا الحديثة وتلك المساءلة العميقة لمعنى وجودنا بأداة السرد الشعري الحيوي الذي تملك سميث أسراره ومكّنها من فرض نفسها بسرعة كأحد أهم الكتّاب البريطانيين المعاصرين وأكثرهم قراءة.

*المصدر: الإندبندنت. 

Leave a comment