سلايدرمقالات

حكاية الفيروسات وفكرة المؤامرة

*بروين حبيب 
يحبذ أنصار المؤامرة اختراع أخبار مناقضة تماما لما يحدث، وفي الزمن الكــــوروني وجدت الأخبار الزائفة قبولا لدى شريحة كبيرة من النّاس أكثر من الحقيقة العلمية نفسها. لا يصدق هؤلاء أن فيروسا فتاكا بهذه الشراسة من صنع الطبيعة، ويعتقدون جازمين أنه سلاح بيولوجي ابتكره الصينــيون، وربما الأمريكان في حربهما الاقتصادية ضد بعضهما بعضا.
يقول هؤلاء أن الإنسان كان يعيش في سلام قبل مئات السنين، وقبل ظهور المختبرات الطبية التي أفسدت الحياة ودجّنت الإنسان. مع أن تاريخ اللقاحات وحده متاح اليوم على مواقع كثيرة مؤتمنة، كما تتوفر في كتب أونلاين، يستطيع أي مشكك الحصول عليها بكبسة زر.
بالتأكيد هناك صحوة معينة تسببت فيها «الصدمة الكوفيدية» حرّكت الرغبة من أجل المعرفة، واقتناء الكتب، لكن هل كل الكتب تحوي أجوبة شافية لأسئلتنا؟ قبل قرنين من الزمن فقط كان نصف أطفال العالم يموتون بسبب أمراض معدية، قبل اكتشاف الأمصال واللقاحات، وتذكر كتب التاريخ أن مرض الجدري وحده حصد ثلثي الأرواح في العالم في مطلع القرن السادس عشر، وفعلت الحصبة ما شابه ذلك أيضا. إذن أين هي فرضية من يدعي أن الإنسان كان يعيش بسلام قبل ظهور اللقاحات، وأن الفيروسات صناعة أمريكية، أو صينية؟
يرفض إنسان هذا القرن فكرة عجز الإنسان أمام قوة الطبيعة، ويعتبر نفسه سيد الكوكب، ولا أدري هل هذا الشعور وليد التطور التكنولوجي، الذي سهّل له حياته، أم وليد الجهل بطبيعة الحياة نفسها فوق هذه الأرض؟ لا يصدق أنصار فكرة المؤامرة أن اللقاح ضد فيروس كورونا غير متوفر، ولكن ماذا لو عرف أن الإصابة ببكتيريا الجمرة الخبيثة عبر الجهاز التنفسي قاتلة ولا علاج لها حتى بالمضادات الحيوية؟ نعم، هناك لقاحات تحمي من هذه البكتيريا، لكن هناك ما عجز العلماء عن فك سره إلى اليوم، ومواجهته بدواء معين أو بلقاح. وكلنا يتذكر الحادثة العجيبة التي راح ضحيتها خمسة أشخاص، من بين اثنين وعشرين في الولايات المتحدة سنة 2001 حين أصيبوا بالجمرة الخبيثة، بعد أن أرسلت أبواغها إليهم في طرد بريدي، ما جعل العالم كله يهتز للخبر، ويتخذ إجراءات احترازية تجاه كل أنواع البريد التي تصل المؤسسات المهمة.
نعرف أيضا أن شركات الأدوية العملاقة تسيطر على تسويق الأدوية واللقاحات، لكن ليس إلى درجة إخفاء العلاج عن المريض لتحقق الأرباح المرجوة، فهناك دوما تنافس شرس بين هذه الشركات لتقديم ما هو أفضل، وليس ما هو قاتل. إن الفيروسات التي تعيش معنا لا حصر لها، لكن تغلُّب أجسادنا عليها يعود بالطبع لتلقينا اللقاحات اللازمة، لهذا نجد الأوبئة تضرب كل سنة بلدانا تعصف بها الحروب والمجاعات والظروف الحياتية المزرية، بسبب سوء أنظمتها. وأعتقد أن الخفاش الصيني الذي أزعج شعوب العالم، بريء إلى حد ما من التهمة التي وجهت له، فالفيروسات قد تصيبنا من الطيور، أو الأبقار، أو غيرها من الحيوانات التي يحتك بها الإنسان لسبب أو لآخر، وهي تنتقل إليه إما من الهواء أو الماء أو التربة أو حيوانات نافقة، لم يتم التخلص منها بشكل صحي. ولنتذكر أن الفيروس التاجي الذي ظهر سنة 2012 في منطقة الشرق الأوسط، تطلب بحثا دام سنة ليكشف أن الإبل في السعودية كانت مصدره، لكن مع هذا لم يتنمر أحد على الجمل كما فعل الناس مع الخفاش الصيني.

الحكاية يا أصدقائي أننا لم نؤتَ من العلم إلاّ قليلا، لهذا فإن التسرع لحبك قصص نابعة من مشاعر الكراهية النائمة في أعماقنا، قد تجد رواجا بين نسبة كبيرة من الناس، لكنّها تبقى مجرّد ثرثرة آنية تضر ولا تنفع مطلقها ومتلقيها. والآن هل يهمنا فعلا أن نعرف كأناس عاديين مصدر الفيروس، إن كان مختبرا في ووهان أو خفاشا تناولته سيدة صينية؟ الاحتمال الأقوى أن لا حاجة لمختبر أن يخترع فيروسا فتاكا فيما الطبيعة توفر ذلك بدون عناء، وبعدد لا يحصى ولا يعد، إذ لا تزال تفاجئنا بفيروسات جديدة وأخرى قديمة متجددة، وكلها قاتلة إن لم تحارب بوسائل النظافة والعلاجات اللازمة. أما الإحتمال الأقوى فإن مختبرات العالم المتطورة، سواء في ووهان أو غيرها مجنّدة جميعها لإيجاد لقاح ناجع، وما قد تخفيه بعض المختبرات عن غيرها، هو بعض المعلومات المفيدة لتسهيل التوصل لنتيجة نهائية، وهذا يدخل ضمن السباق التنافسي العلمي – التجاري في الوقت نفسه، وهذا طبيعي جدا فالأفكار لا تقدّر بثمن، خاصة أن كلفة الأبحاث باهظة جدا.
لنعد للماضي أيام كان مرض الجدري يفتك بالناس في أوروبا، بدون أن يفرق بين فقير وغني، بحيث كان عدد الموتى مرعبا، حين تساءل الطبيب الإنكليزي إدوارد جينر لماذا يموت أمراء وملوك ولا تموت السيدة البسيطة التي تحلب الأبقار؟ من هذا المنطلق أدرك أن ما يميز السيدة هو مناعة طبيعية اكتسبتها من احتكاكها المباشر بالأبقار المصابة، فكانت تلك قاعدة ابتكاره للقاح، الذي حقن به ابنه، قبل حقنه بمصل يحتوي المرض بعد عدة أشهر للتأكد من صحة اختراعه. لقد غامر بابنه، وكان من الممكن أن يقضي عليه في تلك التجربة، لكن العلماء بشر في النهاية، ولديهم جانب يجهله الناس، إذ من أجل المجد والنجاح والشهرة، قد يفعل بعضهم أي شيء، وتذكر الكتب أن لويس باستور، فكّر بحقن نفسه بداء الكلب، ثم معالجة نفسه باللقاح، ولكنه تراجع وفكّر بحقن سجناء محكوم عليهم بالإعدام، ويرد ذلك في رسالة وجهها لملك البرازيل، لكن هذا الأخير رفض طلبه. لكن هل كان باستور بريئا في اختراعه؟ وأفكاره بحقن السجناء؟
في كتاب لطيف جدا للويز إي روبنز، ترجمه للعربية محمد خالد شاهين، بعنوان «لويس باستور وعالم الجراثيم الخفي» نقرأ قصة مثيرة عن الصراعات والحروب التي دخل فيها هذا العالم للتفرد باختراع لقاحاته، في بعض مراحل البحث كان يمارس سلطة على معاونيه، وعلى باحثين مثله كان يفترض أن يتبادلوا المعلومات في ما بينهم فما كان يفعل بعد أن يأخذ ما يريد. وهذا إن دلّ على شيء فإنما على الطبيعة البشرية التي لن تتغير، فهذا بالضبط ما يحدث اليوم، فبقدر ما يجتهد العلماء لإيجاد لقاح، بقدر ما يجتهدون في إخفاء بعض النتائج التي يتوصلون إليها، فيما تدفع البشرية جمعاء الكثير من الأرواح ثمنا، بسبب أنانيتهم هذه، لكن من يهتم؟ فالعالم أو الطبيب ليس نبيا، وقد رأينا انهيار بعضهم حدّ الإقبال على الانتحار، كما رأينا احتجاج بعضهم الآخر على الظروف السيئة التي يعملون فيها، بسبب قلة أدوات الحماية، وقلة معاشاتهم الشهرية، مقارنة مع المجهودات العظيمة التي يبذلونها.
إن المكافأة التي ينتظرها الطبيب اليوم ليست التصفيق من الشرفات، والخطابات الرنّانة لرجال السياسة، بل مكافآت محسوسة ذات أهمية، فما بالك ما ينتظره المنكّب على البحث عن لقاح سيكون له مفعول السحر لإنقاذ البشرية.
في الحقيقة الوحش الذي يسكن داخل الإنسان بالإمكان ترويضه، لكن من المستحيل قتله، وهو في ظروف مماثلة، حين يشعر بأدنى تهديد لوجوده، يكشر عن أنيابه ويخرج مخالبه وينقض على أي كان. فقط بالإمكان تهدئته، والامتناع عن تغذيته بالمعلومة الخاطئة التي تؤجج وحشيته، فنحن اليوم أمام واقع انتشار الفيروس، وسواء كان من صنع البشر أو من صنع الطبيعة، وسواء كان جزءا من مؤامرة وخطة حرب بيولوجية أم لا، فنحن ضحاياه ومن الأفضل لنا جميعا أن نلتزم بشروط الوقاية ما استطعنا، في انتظار أن يبزغ علينا خبر اكتشاف اللقاح المنتظر وألف صحة، الأرباح الخرافية للشركات التي ستقوم بتسويقه.

 

*المصدر: القدس العربي. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق