سلايدرمقالات

شيء من الضحك

*إبراهيم عبد المجيد 
مرّ الأسبوع بدون أن أقرأ. شغلتني الميديا بمتابعة أخبار كورونا. اعتذرت لكل من اتصل بي لإبداء الرأي في العزلة عن طريق تسجيل بتطبيق زوم، أو غيره لصعوبة الإنترنت في المنطقة التي أسكن فيها، ولإحساسي بأنني أكلم نفسي. فعلتها مرتين وتوقفت. تاقت نفسي لشيء من الضحك الذي لا تصلح فيه الأحاديث التليفونية، فأجمل الضحك هو أن تراها على وجه من تحدثه. قفزت إلى روحي وجوه كثيرة غابت وغبت عنها بالفقد أو بالزمن. سأقفز بين بعضها بسرعة ربما أضع بسمة على وجه من يقرأ في زمن الوباء.
أول عمل توليته في القاهرة عام 1975 كان أخصائيا ثقافيا في قصر ثقافة الريحاني بحدائق القبة، وكان مديره الشاعر الراحل أحمد الحوتي. كان كل عملي هو أن أقيم لقاء أسبوعيا بين شعراء السبعينيات في شبابهم. كان هناك دائما شخص غير مألوف لي حريص على حضورالندوات العامة، خاصة في شهر رمضان، حين استضفت طوال الشهر الموسيقار عدلي فخري رحمه الله، الذي كان المقابل للشيخ أمام يصدح بأغاني الشاعر سمير عبد الباقي. لم يكن ذلك الرجل يتخلف عن الحضور، فأدركت أنه مخبر. قبل كل ندوة يحضر مبكرا فأطلب له شايا من عامل البوفيه، وأساله هل يود أن يأكل لأحضر إليه ساندوتشات، فيندهش جدا، لكنه يشرب الشاي. كان عامل البوفيه رجلا يقترب من الستين نحيلا متوسط الطول يبدو العَجَز على وجهه وأعور وكان اسمه عم موريس. كان حين يأتي إليه بالشاي أطلب منه أن ينتقل ناحية اليمين بالمقعد أكثر فيفعل المخبر ذلك وهو ينظر لي في دهشة. أضحك وأقول له أصل عم موريس أعور ويمكن يحط الشاي في الناحية التانية. في النهاية وبعد أكثر من مرة ضحك الرجل واعترف لي بأنه مخبر، قلت له براحتك أنا عارف، لكنه لم يظهر بعد ذلك.
من أجمل من عرفت تلك الأيام في قصر ثقافة الريحاني، كان الفنان جودة خليفة والمخرج المسرحي سامي صلاح، الذي أصبح استاذا في ما بعد في معهد الفنون المسرحية، بعد بعثة إلى أمريكا حصل فيها على الدكتوراه. كان جودة خليفة هو مسؤول نشاط الفن التشكيلي في قصر الثقافة، وكان مفعما بالعبث. لا يكف عن الضحك ولا يرى معنى لأي شيء، وكنا أحيانا نذهب إلى مقهى أمفتريون في مصر الجديدة، نسهر ونضحك. كان شديد السخرية من السادات كثيرا، فيهتف وهو جالس معنا «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»، ونضحك جميعا. من حكاياته التي قتلتنا ضحكا، كيف أنه حدث في قريته أن سُرق حمار، فجمع العمدة السكان يبحثون أمر السرقة. تحدث أكثرهم عن تصوراته عن من يكون اللص، لكن العمدة قال لهم «كل اللي بتقولوه مايدخلش الدماغ. اللي سرق الحمار دا إما واحد من جوة البلد أو واحد من برّة البلد»، وقال ضاحكا من يومها لم أذهب إلى القرية. حين ترك جودة العمل بعد أن تم إصدار مجلة «أكتوبر» عام 1976 وانتقل إليها، سافر إلى بور سعيد، اشترى تي شيرت مكتوبا عليه في ناحية من الصدر «6 أكتوبر» رأيته يرتديه وقال وهو يضحك علشان أنيس منصور يقتنع. كان أنيس منصور هو أول رئيس تحرير للمجلة، وتولى معها رئاسة مجلس إدارة دار المعارف لعدة سنوات.
كان المخرج سامي صلاح كنز الضحك والحكايات. قضينا معا وقتا طويلا.. أكثر ما فعلناه أو جرى بيننا كتبته في روايتي «هنا القاهرة» أيضا. طبعا أضفت إليه الخيال الكثير.
انتقلت للعمل بإدارة العلاقات العامة والإعلام عام 1977 وعملت مع أكثر من مدير، كان بينهم عمر البرعي، المثقف ومحب الكتّاب والفنانين، أمد الله في عمره. كانت فيها مجموعة  من السيدات منهن سهير عبد القادر، التي صارت نائبة رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في ما بعد ، ومنهن سيدة  كان اسمها مطيعة، وفتيات جميلات طيبات جدا أسماؤهن قد تغيب عني، لكنني ما زلت أذكر الزميلة ليلى والزميلة نبيلة والزميلة شادية والزميل الصديق سيد عواد، الذي للأسف توفي هذا العام، وكانت وفاته صادمة لي.

 

كانت ليلى قد وجدتني فرصة لتعديل لهجتي الاسكندرية. فكانت خاصة يوم الأربعاء، تسألني هو النهاردة إيه؟ أقول «الأربع» فيضحك الجميع ، ففي القاهرة يقولون «الأربع» أيضا، لكن بتفخيم الراء وليس تخفيفها، أو كانت تسألني يوم الثلاثاء هو بكرة إيه؟ أقول الأربع فيتكرر الأمر ويضحك الجميع، أو تسألني عن سعر أي شيء فأقول كذا «جِنِي» فيضحك الجميع لأن في القاهرة يقولون «جنيه».
كانت أجمل أيامنا في شهر رمضان، حين كانت الثقافة الجماهيرية تقيم احتفالات موسيقية وغنائية وراقصة، لفرق الفنون الشعبية في حديقة الدراسة، التي قامت مكانها الآن مشيخة الأزهر. كنا نسهر كل ليلة حتى السحور. كنا كثيرا ما نتناول إفطارا جماعيا على نفقتنا في الحسين عند مطعم «الدهان»، ولا نكف عن الضحك. في هذه الحفلات قدمنا وجوها جديدة في الغناء والفن منهم المطربة «أنغام» وكانت صغيرة جدا، ومنهم المنولوجست محمود العزب. وبينما كنا نتناول إفطارنا ذات مرة، اعتقد عام 1983، قلت لهم هناك أزمة في التلفزيون كبيرة بسبب مسلسل «محمد رسول الله». كان هناك دائما عبد الله غيث يعلق على الأحداث بصوته مقدما أسماء الانبياء، فيقول قال، إبراهيم وقال موسى وقال عيسى. ولما سألوني عن الأزمة قلت لهم، أنا كنت هناك الصبح أسجل قصة في البرنامج الثاني وعرفت أن المحاسب اعتمد حقوقا لعيسى وموسى وإبراهيم ويوسف وكل الأنبياء باعتبار أنهم تحدثوا في المسلسل والميزانية، خلصت بدري قبل ما ينتهي التصوير.
طبعا ضحكوا جميعا. كان السبب الذي جعلني أتحدث عن أزمة في ميزانية المسلسل، هو أنني سمعت حكاية من المرحوم المذيع والمترجم والكاتب شوقي فهيم، وكيف دخل عليه المحاسب حيث يعمل مذيعا في البرنامج الثاني يسأله قائلا: «هو الأستاذ تشيكوف حييجي إمتي؟» اندهش شوقي وساله «عايزه ليه؟» فقال المحاسب أصلنا دفعنا فلوس للمترجم، اللي ترجم قصته وفلوسه هو ماجاش خدها لحد دلوقت». وأنا أتناول معهم إفطاري بالحسين «القافية حبكت» وقلت الخبر المضحك عن مسلسل «محمد رسول الله» الذي قتلنا ضحكا.
في تلك الأيام تولى الثقافة الجماهيرية رئيس كان أصلا مديرا للسيرك القومي، ولم تكن تعجبني أفكاره عن العمل، فأرسل يطلبني ليكلفني بالسفر إلى الصعيد. كان معنا صديق اسمه عبد الوهاب حنفي، يشبهني والبعض يخلط أحيانا بيننا، قلت له «أنت شبهي ياعبد الوهاب – وفعلا كان يشبهني وفي طولي تقريبا – وأنت تحب السفر للصعيد روح له وشوفه عايز إيه». ذهب إليه عبد الوهاب فكلفه باعتباره إبراهيم عبد المجيد أن يذهب إلى الصعيد وسافر عبد الوهاب، وعاد باعتباره أنا، وظل يدخل إليه على هذا النحو. لم يستمر هذا المدير كثيرا وجاء غيره، وعاد كل منا إلى وضعه، إبراهيم إبراهيم، وعبد الوهاب عبد الوهاب.
تلك الأيام لا أنساها أبدا، لأننا لم نختلف أبدا حول شيء. كنت ومازلت أحبهم جميعا. كانوا بهجة حياتي والله ولا أراهم إلا كما كانوا شبابا جميلين وأشتاق إليهم جدا، لكن ماذا نفعل في الزمن. رحم الله من رحل وأطال عمر من يعيش وأزاح عنا كورونا.

*المصدر: القدس العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق