*رامي أبو شهاب

تقول توني موريسون (1931-2019 ) الكاتبة الأمريكية من أصل افريقي: «الأمريكي في هذا البلد يعني الأبيض، وما عدا ذلك فليس سوى وصلة أو جملة معترضة»، ربما لن تنسى السّلطة يوماً أسماء ضحاياها ووجوههم، حيث لن تكف هذه الذوات المهمشة والمسحوقة عن تغيير وجه التاريخ، على الرغم من أنها كانت غير مرئية على الدوام، ولكن في غفلة من التّاريخ، والقوة، والغرور تخرج لتعيد صوغ قيم الإنسان من جديد.

العنصرية ظاهرة ثقافية

إن العنصرية تكوين بنيوي يقبع في الثقافة الغربية، التي حاولت لعقود أن تتجاوزها، غير أن جذورها ما زالت كامنة في الذاكرة والخطاب، بالإضافة إلى الممارسة، كما يمكن القول بأن العنصرية قديمة قدم الإنسان عينه، فهي تعود في بعض جذورها للثقافتين الإغريقية والرومانية، ومع ذلك فإن الإنسان سوف يستمر في نضاله ضد العنصرية التي لم يسلم منها أي شعب، حيث شكّلت العنصرية ذريعة لنبذ الآخر، وتحقيره بدواعي العرق والنوع واللون، والجنس والجنسية، والطبقية والقبيلة، وغير ذلك من أوهام التفوق. يمكن القول بأن هذا يفسر أن معظم تلك الجماعات المهمّشة تختلق صيغها وثقافتها ولغتها وفنونها وموسيقاها المميزة، لكونها ترغب في أن تجد ذاتها في ظل هيمنة صيغة واحدة؛ ولهذا فإن قيمة التنوع لا تعني تراتبية معينة، إنما هي جمالية بحد ذاتها.

قامت العنصرية على منشأ مغلوط، حيث لا يمكن أن نعدّها استجابة للمواصفات البيولوجية، إنما هي ظاهرة ثقافية؛ ذلك إن مفاهيم العنصرية قامت في الأساس على وجود اختلافات بيولوجية وجسدية تكون مسؤولة عن توفير عوامل تتصل بتفوق أعراق على أعراق أخرى، ومع ذلك فإن الانتماء لعرق ما ليس خياراً، ولا يخضع لهوى الإنسان ورغبته، وبناء عليه، فهو ليس ميزة، فالكل سواسية في تكوينهم، كون فعل الاختيار لم ينهض على قيمة كامنة في هذا أو ذاك. هذه المسوغات لطالما شكلت منطلقات للتمييز العنصري، على الرغم من أنه ثبت علمياً مع أواخر القرن العشرين بأن الاختلاف البيولوجي، وسمات التفوق ليست سوى اختراع ثقافي محض، ولا تنهض على أي أسس علمية، بيد أن البعض ذهب إلى تبرير هذا التفوق في الوعي الذاتي، ومنهم ديفيد هيوم، الذي انطلق من فكرة قوامها أن تفوق أوروبا أو أمريكا (الرجل الأبيض) لا ينهض على خصائص عرقية أو بيولوجية، إنما يعود إلى عوامل ثقافية وسياسية، ومن ثم يضيف بأن أصحاب البشرة السمراء بالإضافة إلى أربعة أو خمسة أعراق أخرى، تعدّ أقل شأناً من العرق الأبيض، في حين أنه ينفي وجود أمم متحضّرة غير تلك التي تنتمي إلى العرق الأبيض، ومع اشتداد وطأة النقد لهذه الأفكار فإن هيوم سرعان ما تراجع جزئياً ليحصر حكمه الدوني في أصحاب البشرة السمراء، التي يرى بأنها تختلف عن باقي الأعراق الأخرى، ومن ثم يضيف إلى أن بعض الأعراق لها مزايا مختلفة، ما يبرر تفوق بعضها، وهكذا نجد أن المنطق العنصري كما المبدأ القائم من خلفه شديد الرسوخ في بعض المجتمعات التي تحتاج إلى هذا المسلك لتحقيق أهداف محددة.

الديمقراطية الجريحة

غالباً ما يواجهنا التاريخ في مساراته بأمور غير متوقعة، حيث يحطم شوكة التّعالي السّلطوي الذي لن يتعلم يوماً من التاريخ، وها هي أمريكا جريحة في أزمنة التّعالي والعنصرية البيضاء، أو تلك التي أطلقتها أزمنة ترامب، التي ألقت ظلالاً داكنة على عالمنا. لقد بدأ الرجل سياسته بظلم تاريخي، حين انحاز لدولة الكيان الصهيوني، متبجحاً بشجاعته في نقل السفارة إلى القدس، أضف إلى ما سبق تملصه وسخريته من قضايا كونية كالبيئة والصحة وحقوق الإنسان.. وغيرها. ولعل معظم تلك الاستحقاقات والإنجازات (الاقتصادية) التي يدّعي، أو يتبجح ترامب بتحقيقها قد جاءت ضمن مبدأ الصفقة… غير أنها سرعان ما تحولت إلى لوح هش من الجليد، الذي تحطم على صخرة العنصرية المزمنة، وبضغط من لعنة كورونا، ومن هنا، فلا جرم أن تتعالى الاتهامات باتجاه اليسار الراديكالي، والفوضيين، ودول أخرى لتحميلها مسؤولية هذا الإخفاق، بيد أن العامل الحقيقي يتحدد بثقافة العنصرية، والنظرة الدونية تجاه الآخر، وتغليب القيم المادية على القيم الإنسانية.
إن تداعي العالم الحر للوقوف مع قضية جورج فلويد، في الولايات المتحدة، وباقي العالم، ربما يكشف عن اتساع الهوة كل يوم بين الشعوب والسلطات الحاكمة التي استشرى فيها الفساد. ولعل أكبر أوهامها أنها تعيش في وهم النخبة، مع تعميق النظرة الدونية للشعوب التي تحكمها. هذا التعالي الذي ينظر له بوصفه معياراً نموذجاً من نماذج العقل «الترامبي» وغيره من متبعي خطابات التفوق والقوة، وأن قيم العالم يحكمها مبدأ الصفقات، أو القمع، غير أن مسارات التاريخ غالباً ما تخالف توقعنا، حيث تأتي الانهيارات لهذه القوى الكبرى المتجبّرة، من أبسط الموجودات وأضعفها، على الرغم من أن هزيمة تلك القوى تبدو بعيدة أو مستحيلة، إلا إن قيم الشّعوب قادرة على أن تحدث ما لا يتوقع.

إن مبادئ الحرية والعدالة والمساواة أحد أهم ثوابت الديمقراطيات الغربية، تتعرض الآن للاختبار، فنماذج الخلل في (ديمقراطية زائفة) ربما يقود إلى أن تتحول بعض هذه الديمقراطيات إلى النمط «العالمثالثي»، فتصبح أسيرة هواجس الديكتاتورية المقنّعة، التي تؤمن بالقمع. لقد بدا العالم في عهد ترامب على قدر كبير من البشاعة، كما سادت العالم قيم متشككة، فبدأنا نقترب من مناخات ما قبل الحربين العالميتين، حيث تتصاعد الكراهية من قبل الجميع ضد الجميع، وهنا لا يمكن أن ننكر بكل الأحوال بأن هذا المسلك يعمّق تكوين نسق مضمر قد طفق ينتقل بوصفه عدوى بين شعوب العالم وثقافتها، في حين أن أزمة كورونا أزاحت الكثير من عيوب الأفراد والمجتمعات (ثقافيا)، حيث بدأت بعض الأصوات ترى بأن (الآخر) سبب جائحة كورونا، وبأن وجوده يفاقم المشكلة.. على الرغم من أن الفيروس لا يميز بين ألوان البشرة، والوجوه، والمعتقدات.. إن دعوات للتخلص من فائض البشر يعدّ نزعة عنصرية، مع التأكيد على أن ثمة سياقات أوجدت هذه الفوضى، وعلينا أن نتعامل معها بعقلانية مع أهمية عدم المساس بكرامة البشر، والتذكر بأنه لا يوجد نقاء عرقي، أو تميز لوجود على وجود آخر، كما أن الإنسان لا يُختصر في وظيفته، أو تعريفه المرجعي، أو لونه، أو نوعه، أو جنسيته. إذ تكمن العنصرية تقريباً في معظم الشّعوب، ولا تسلم منها حتى الشعوب العربية، التي تتغذى بعض السلطات في وجودها على استغلال الاختلاف، ومعاني التفوق، فتسعى إلى تفضيل عرق، أو طائفة على أخرى؛ فغذّت الكراهيات واستغلتها.
تعود العنصرية في جذورها إلى حقب قديمة، حيث كانت الشعوبية أحد مظاهرها، كما الاقتتال على السلطة، وتفضيل هذا أو ذاك، والصراع على الحكم من مبدأ العنصرية والاختلاف، وفي الزمن المعاصر ما زلنا نمارسها، في البلد الواحد، حيث تكثر التقسيمات بين العربي وغير العربي، والمسلم وغير المسلم، في حين تتخذ مفردات العرق، والنوع، والجنسية، والإقليم، واللون، والقبيلة، منطلقات للتمييز، كما نمارس العنصرية تجاه الشعوب الأخرى، سواء عربية أم غير عربية، فهناك دائما بيننا من ينتمون إلى راديكالية الأنا (الفضلى) التي ترى بأن الآخر يهدد وجودها، وينهب مقدراتها على مستوى الأفراد، فالبعض يمارس العنصرية انطلاقاً من الخوف من مزاحمة الآخر، ولعل هذا يتنافى مع أبسط قيم الدين، حيث نتناسى دائما أن الأرزاق مقدرة، وأن البشر يعودون إلى أصل واحد – كما تنص جميع الديانات السماوية – غير أن تبرير هذا التوجه، ربما يقترن بالنموذج الاقتصادي، حيث الرغبة بالمحافظة على رفاهية لا يمكن أن تتحقق، إلا إذا قمنا باستغلال الآخر، وسلب حقوقه، ولعل هذا يفسر اشتداد حملات العبودية في القرن الثامن عشر، من حيث الحاجة للعبيد في الزراعة، بالإضافة إلى هيمنة الدول الاستعمارية على الدول الأخرى واستعمارها، انطلاقـــــاً من هذه التمايـــزات العرقية، أو المهمات الحضارية، فلا عجـــب أن تنتج العنصــــرية بداعــــي تبرير أفعــــال الاستحواذ، من منـــطلق المحافظة على هذه المكتسبات، فالعنصرية ليست سياسة عرقية وحسب، إنما هي تتجلى في تبرير النخب لنهب مقدرات العامة لكونهم أقل شأناً، ومرتبة، فكي تتمتع فئة صغيرة بوفرة ما ينبغي احتقار الجزء الأكبر، وبناء عليه، فإن عقلية الكراهية قائمة في وجودنا أو في اللاوعي، إذ لا يمكن أن نتخلص منه إلا بتطوير منتج ثقافي ينهض على وعي حقيقي بأن الآخر لا يعدّ أقل إنسانية.
وختاماً، فإن البشرية، على الرغم من تقدمها التقني، غير أنها ما زالت بدائية على مستوى فهم معنى الإنسانية، وتقديرها، ولعل قيم المثقف ينبغي ألا تنحاز لأي دعوة من دعوات الإقصاء والكراهية، أو التعالي على أي وجود، فأشد مآسي العصر الحديث قد نتجت بداعي أفكار عنصرية كالفاشية، والنازية، والاستعمار، كما الصهيونية التي تعدّ مجتمعة مسؤولة عن قدر كبير من فائض الموت والحروب التي قامت باسم التفوق، علاوة على الاقتتال الديني والعرقي والقبلي التي شملت قطاعات واسعة من دول العالم، وهكذا يبدو الداء العنصري لا مركزياً، فهو ينتشر في كل بقعة من بقاع العالم على اختلاف تحضرها وتقدمها، نتيجة تحول العنصرية إلى نسق ثقافي يتعالق مع الكثير من العوامل التي تقع في مجال الظاهر، ولا سيما الاقتصادي منها، فضلاً عن بعض القناعات الراسخة لدى البعض، وتنهض على أكذوبتي النقاء والتفوق ضمن صيغه خطابية، كما الممارسة.

*المصدر: القدس العربي.

Leave a comment