*إبراهيم عبد المجيد 

« يا قاتلي: إني صفحتُ عنك
في اللَّحظةِ التي استرحتَ بعدَها منِّي
استرحتُ منكْ
لكنني… أوصيكَ ـ أن تشأْ شنقَ الجميع ـ
أن ترحمَ الشجرْ
لا تقطعِ الجُذوعَ كي تنصبَها مشانقَ
لا تقطعِ الجُذوعْ
فربما يأتي الرَّبيعُ
«والعامُ عامُ جوعْ»
فلن تشمَّ في الفرُوعِ.. نكهةَ الثَّمرْ
وربما يمرُّ في بلادِنا الصَّيفُ الخَطِرْ
فتقطع الصحراء… باحثًا عن الظِّلالْ
فلا ترى سوى الهجيرِ والرِّمالِ والهجيرِ والرمالْ
والظمأِ الناريِّ في الضُّلوع.
كثيرة هي القصائد التي كان أمل دنقل يرى فيها ما لا يراه الآخرون، كأنه العرافة القديمة التي تمشي بين البلاد، لا تملك إلا جلبابها وبعض خرزات تحركها بين يديها. لم يكن هذا العالم كله يساوي سيجارة يخرجها أمل دنقل من علبة سجائره، التي يضعها أمامه على المنضدة في المقهى، وينظر إلينا ويبتسم وهو ينفخ دخانها، ثم يبدأ في شرب البيرة، التي لم يكن يثقل فيها مثلما كان يفعل نجيب سرور. كان يعرف أنه لابد أن يظل يطل من النافذة، ويري هل لا يزال فوقها بشر يمشون، أم خلت وصارت عدما؟
المقطع الذي صدّرت به المقال من قصيدته «كلمات سبارتاكوس الأخيرة» التي نشرها قبل سنوات من هزيمة 1967 وقبل حتى قصيدته «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة». ما أملته العرافة في «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة « حدث لكن لا أحد يذكر هذه القصيدة الأسبق إلا ببدايتها:
«المجد للشيطان معبود الرياح
مَن قال «لا» في وَجْه مَن قال «نعمْ»
مَن علَّم الإنسانَ تمزيقَ العدمْ
وقال «لا» فلم يمتْ
وظلَّ روحًا أبديةَ الألم»
ظللت عمري كله منذ قرأت له هذه القصيدة أقول هي النبوءة بهزيمة 1967، وليست قصيدة «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة». كانت معرفتي بأمل دنقل مبكرة من قصائده، لكن حين أخذتني قدماي إلى القاهرة بين عدة شهور وأخرى كان لا بد أن ألتقي به.
أول مرة التقيت به كانت في أتيليه القاهرة في بداية السبعينيات من القرن الماضي، ولم يكن قرار منع البيرة قد تم تطبيقه على النوادي بعد. كان معه يحيى الطاهر عبد الله، وهما من أحب الكتاب إلى نفسي. جلست معهما صامتا، وقد نسيت الآن ما الذي أجج الشجار بينهما، لكنني لا أنسي أن يحيى كان عالي الصوت مهاجما دائما بينما أمل يهاجم بكلمات مقتضبة. فصل الجالسون بينهما حين تشاجرا، وتركت المكان مذهولا. كيف يكون الكتاب على غير ما أتصورة. قصائدهم وقصصهم تجعلهم في السماء، ومن ثم سلوكهم على هذا النحو كان مدهشا لمن هم مثلي، رغم قدومي من مدينة كبيرة إلا أن الكتاب في الإسكندرية يخيم فوقهم الرضا مع أقواس القزح فوق البحر في الخريف، وفي الصيف مع الضحك في المقاهي التي يمرح فيها الهواء.
في المرة الثانية وكانت يوما ما لا أنساه، قابلت أمل دنقل أمام مقهى ريش، فقال لي هيا إلى «ستيلا « دعك من ريش اليوم.

ذهبنا إلى ستيلا التي هي على بعد خطوات من ريش، وعلى ناصية شارع هدى شعراوي، قابل شخصا يعرفه. تصافحا وظلا يتكلمان، ولم يقدمني أمل إليه ولم يقدمه إليّ فتراجعت قليلا، ولما طال حديثهما انصرفت بدون استئذان. قابلت أمل دنقل بعد عدة أيام في ريش فقال لي «انصرافك جعلني أرى فيك شخصا محترما، لأنك لو كنت وقفت كنت اعتبرتك تافها». ومن يومها صارت بيننا المحبة رائعة، فغير جلوسنا في ريش، كنا نذهب أحيانا إلى مقهى البستان في نهاية الممر. في البستان لم يشاركنا أحد. كنا في البستان نلعب الطاولة معا قبل أن يعرفها الأدباء، ونشرب القهوة وحدنا.
حين سافر إلى لبنان بعد مرضه لأول مرة، أعطيته مجموعة قصص هي «مشاهد صغيرة حول سور كبير» يقدمها إلى أي دار نشر. لم تكن المفاجأة أنه فعل ذلك. كانت المفاجاة أنني كنت في عملي في الثقافة الجماهيرية، وفوجئت بتليفون في الظهيرة من الاستقبال في العمارة، التي كانت فيها الثقافة الجماهيرية في شارع الجلاء، قبل الانتقال إلى عمارات العرائس في شارع القصر العيني، يقول لي «أنا أَمَل مستنيك تحت». نزلت فرحان لا أصدق. أمل يقطع طريقه إلى وسط البلد ليأتي إليّ. وذهبنا إلى «ستيللا «. أخبرني أن المجموعة أعطاها لاتحاد الكتاب السوري، وسوف تنشر في سوريا، وبالفعل نشرت في العام نفسه 1982. كانت هذه أول مجموعة أو رواية تنشر لي خارج مصر. تقاربنا كثيرا من قبل لأنني كنت أرى فيه نموذجا للشاعر العظيم، فكنت أسكت أكثر مما أتكلم، وهذه كانت عادتي مع من يسبقونني بالشهرة والقيمة وأحترمهم. ما أطول الجلسات التي جلستها مع أمل أو نجيب سرور أو يحيى الطاهر عبد الله، ولم تنته بخلاف بيننا أبدا. كنت أنا الصامت المحب وهم المجانين العظماء. حين عاد المرض إلى أمل دنقل في المرة الثانية، وكان السرطان قد استفحل فيه، تأخرت في الذهاب إليه في معهد الأورام، ثم ذهبت ومعي روايتي القصيرة «ليلة العشق والدم» التي صدرت وقتها أهديها إليه. ولما عاتبني لماذا تأخرت عليه في الحضور هكذا، قلت له «بصراحة يا أمل ماكنتش قادر اتصور أني اشوفك تعبان»، فقال «ليه هو انت بنت؟» وابتسمنا. والله أكاد أبكي وأنا أكتب هذا الآن. مات أمل بعدها رحمه الله، ومات معه سرّ من أجمل أسرار الوجود. الوجود لا الحياة الأدبية فقط.
كان قبل المرة الأخيرة بسنوات قليلة قد تزوج من الكاتبة والصحافية عبلة الرويني وكنا سعداء، فسيجد أمل من يهتم به ،وكنا نشفق عليها من صمته أو جبروته. لقد كانت هدية السماء له في سنواته الأخيرة. عام 1972 حين انفجرت مظاهرات الطلاب والعمال كتب أمل قصيدته الخالدة «الكعكة الحجرية» التي كلما عبرت ميدان التحرير أتذكر أنها كانت الأوْلَى أن تُنقش على تمثال، أي تمثال، للحرية، لكن الثورات لا تنجح في بلادنا للأسف، وينتهي الأمر كما نرى، وكما قال أمل دنقل مبكرا جدا كما في قصيدة «كلمات سبارتاكوس الأخيرة».
«لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كل قيصر يموت قيصر جديد
وخلف كل ثائر يموت أحزان بلا جدوى
ودمعة سدى»
ولن احدثكم عن قصيدته «لا تصالح» التي كتبها بعد زيارة السادات إلى القدس. لكن فليذكر الجميع قول أمل:
«هل يصير دمي ـ بين عينيك ـ ماءً؟
أتنسي ردائي الملطَّخ
تلبس فوق دمائي ثيابا مطرزة بالقصب؟»

لقد رحل عنا أمل دنقل في الواحد والعشرين من مايو عام 1983 وهو في الثالثة والأربعين من عمره. بلغني الخبر وأنا في منطقة وسط البلد فانزاحت العمارات من حولي، وصرت أمشي في فضاء لا نهاية له، وتشابهت على الطرق والبلاد. والآن وقد شملت كورونا الحياة اتذكر قصيدته «أوراق الغرفة رقم 8» وهو مريض في أيامه الأخيرة.
« كان نقاب الأطباء أبيض
لون المعاطف أبيض
تاج الحكيمات أبيض
أردية الراهبات.. الملاءات
لون الأسرة
أربطة الشاش والقطن
قرص المنوم، أنبوبة المصل
كوب اللبن
كل هذا يشيع بقلبي الوهن
كل هذا البياض يذكرني بالكفن»
لقد تشابهت علينا الطرق والبلاد من جديد يا أمل.

٭ المصدر: القدس العربي.

Leave a comment