إضاءاتسلايدر

العزلة المنزلية لمبدعي مصر.. هل خنقت الجائحة رئة الإبداع؟

*عبدالله حامد

كان الروائي الأشهر الراحل نجيب محفوظ يستلهم شخصيات رواياته من المقاهي، ويستمد أحداث قصصه من احتكاكه بالناس ومراقبته طبائع سلوكهم، وهكذا فعل مبدعون آخرون، حيث بلغ حب الكتابة -عن تجربة- بهم حد خوض تجارب أبطالهم المتخيلين الذين ولدوا على الأوراق.

لكن العزلة الإجبارية التي فرضت نفسها على قطاع عريض من المصريين، وبينهم المبدعون، نتيجة انتشار جائحة فيروس كورونا؛ أتت بنتائج متباينة على تدفق الإبداع، فمنهم من رآها فرصة لمزيد من الإنتاج، ومنهم من اعتبر الفيروس قد تمكن من رئتهم الإبداعية وخنقها.

وتحدث مبدعون للجزيرة نت، وكتبوا على صفحاتهم الشخصية، وصرخوا في تصريحات صحفية بأن إبداعهم يختنق ببطء.

بدا الجميع مستائين من طول مدة بقاء الفيروس، باستثناءات قليلة نجت من الاختناق الإبداعي، لأن بعضهم معتاد على العزلة بطبيعة الحال، مثل القاص السيناوي عبد الله السلايمة، الذي يعيش مثل آلاف من أبناء سيناء في عزلة إجبارية منذ سنوات طويلة، بسبب التوتر المتصاعد في منطقته.

وتكيف السلايمة مع الوضع الأمني مثل أبناء منطقته شبه المنعزلة، بعد صعوبته في البداية، فأنتج عملين إبداعيين، ولهذا السبب مرّ أمر عزلة كورونا مؤخرا بشكل عادي، بلا تأثيرات تذكر على صعيد إبداعه.

مبادرة “للرقمنة”

أما الشاعر والناقد طه سيف الله فشعر منذ بداية الأزمة بأنها ستكون أشد وطأة، فسعى إلى “رقمنة” كتبه الورقية، لتيسير اقتنائها على القراء عبر مؤسسة ابن النيل التي يديرها.

توقع سيف الله منذ بداية فرض العزلة أنها ستكون فرصة للمبدعين لإيصال إبداعهم المكتوب إلى أكبر عدد ممكن من القراء، الذين سيملون -بلا ريب- كل وسائل الإمتاع التقليدية التي استهلكت أعمارهم طويلا من قبل وشغلتهم عن قراءة الكتب.

ورأى سيف الله أن الظروف الحالية من الحظر، ومكوث الناس في البيت، لها إيجابياتها كاستهلاك قدر أكبر من المعرفة الورقية والرقمية، وكذلك التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي بين النقاد والمبدعين، وكلها أمور تصب في النهاية في مصلحة المبدع الذي يجب أن يواكب التغيير ويعتبر هذه المحنة منحة.

واعتبر الناقد الأدبي السيد إسماعيل ضيف الله إن العزلة تجربة صعبة على من عاش سنوات عمره يتحرك نحو الندوات والمقاهي، والعزلة -في تقديره- سجن اختياري قاس لكل شخص يعشق الحرية وعاش عمره يحلم بها ويدافع عن كل فعل يزيد من هامشها في مجتمعاتنا العربية.

ويتذكر ضيف الله أعمالا كثيرة كتبها مبدعون في عزلة السجون، بدءا من المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي عاش في عزلة السجن 11 عاما إلى والد الشعراء فؤاد حداد، مؤكدا أنه يمكن للمبدعين أن ينجزوا في السجون، لكنها إنجازات يصعب الشعور بالسعادة فيها، وهو شعور الإبداع نفسه في العزلة بالمنازل، التي لا تقل قسوة عن العزلة في السجون.

وأنجز ضيف الله كثيرًا على مدى شهرين، فسعى لملء كل وقته بتعلم واكتساب أدوات إبداعية للهرب من التفكير في وضع الانعزال الإجباري، ومع مقاومته رغبة الخروج القاتلة، أحضر عالمه إلى بيته، وقام بتنشيط قناته على يوتيوب، ونظم مناقشات وندوات وقراءات نقدية عبر الإنترنت، كبديل لمستقبل متوقع بدل ندوات مباشرة تستهلك الأعمار في الوصول إلى مقراتها وسط زحام وفوضى مرورية، لتنتهي الندوة بكلمات تتبخر في هواء الغرفة، بخلاف الندوات على الإنترنت التي يمكن الاحتفاظ بها والرجوع إليها.

ورغم شعوره كمبدع بأنه في حالة سباق مع كورونا، الذي يستهدف قلب الحياة، فإن مقاومة تداعيات الفيروس بمزيد من العمل في المنزل لا تفرز سعادة في خلاياه، فهو “غير مستمتع بالحياة بكل تفاصيلها في العزل عموما”.

نهم للشعر

بدوره، أدرك الشاعر علاء جانب أن عليه مسؤولية أكبر تجاه جمهوره، الذي بات في عزلته أكثر نهما للشعر والإبداع عموما، مما دفعه إلى تطوير أدواته من اللقاءات المباشرة وإلقاء الشعر بالندوات والفعاليات المختلفة إلى إلقاء الشعر في بث مباشر أحيانا على فيسبوك.

كما يقوم بتسجيل بعض القصائد بصوته ونشرها على حساباته في منصات التواصل، مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام وتليغرام، واقترب من تشكيل ديوان شعري كامل جديد.

من المفارقات التي لمسها علاء جانب بين بداية العزلة واليوم أنه بات يشعر بعدم كفاية نهار العزلة الطويل لإنجاز ما بات مطلوبا منه يوميا.

أما عضو اتحاد كتاب مصر الأديب أبو اليزيد الشرقاوي فيلمس في نفسه ما تحدث عنه باحثون غربيون من أثر العزلة المنزلية على الناس، من حيث تراجع الاستيعاب وتشتيت الفكر، بسبب تغييرات سيكولوجية للحظر على عادات القراءة والدراسة والتحصيل المعرفي، وكانت النتائج غير إيجابية، إذ تشير هذه الدراسات إلى انخفاض مستوى الوعي والفهم والاستيعاب بصورة ملحوظة.

لكن الشرقاوي لا يزال يؤمن بأن مواصلة القراءة هي السلاح الفعال لمواجهة هذا الحظر الذي لم نمر به من قبل، ولأنه تجربة جديدة فلم تكن لدينا جميعا خبرة التعامل معه.

فلأول مرة يكون المطلوب منك هو أن تبقى في البيت، عكس كل النصائح التي توارثناها عن فضل العمل وقيمة السعي في الحياة وأهمية الخروج والحركة، وهو تراث ثقافي نحمله جميعا يحفزنا على السعي والخروج، ومرة واحدة تجد نفسك مطالبا بالتخلي تماما عن هذا الميراث الثقافي، ويقال لك “خليك في البيت”.

ولا بد -حسب الشرقاوي- من الاحتماء بنشاط ذهني ما لمقاومة هذا الوضع البائس، وربما تكون الميزة التي حصل عليها خلال هذا الحظر هي مواصلة القراءة للتراث، وهي قراءة يجب ألا تتوقف؛ فالتراث به كنوز لا حصر لها، ولم يقف عليها الباحثون بعد، وبالتالي تظل كتب التراث في حاجة مستمرة إلى معاودة التواصل معها، وتأويلها وقراءتها في ضوء معطيات العصر، وهذا إنجاز مطلوب.

المصدر : الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق