*هوفيك حبشيان

ما إن مرت أسابيع عدة على بداية تفشي وباء كورونا في جميع أنحاء العالم، حتى بدا واضحاً أن عالم الثقافة والفنّ سيدفع الثمن غالياً بسبب هذه الكارثة. لم تبق أوروبا، على الرغم من ضخامة إمكاناتها، خارج دائرة هذا “الانكماش” للحياة الثقافية التي أصبحت شبه معدومة طوال الأسابيع الماضية في ظلّ إقفال صالات السينما والمسارح وقاعات الأوبرا والموسيقى. التظاهرات الثقافية والفنية والسينمائية التي لا يمكن أن تحدث من دون جمهور، كانت الضحية الأولى لإجراءات الغلق المشددة التي بدأت تفك بشكل تدريجي كي تعود الحياة إلى طبيعتها. وسط هذا كله، كان مهرجان كانّ طوال الأسابيع الماض أكثر حدث سينمائي وثقافي وفني عالمي تحت الضوء. بقي مصيره مجهولاً لفترة، في مهب رياح كورونا، لا أحد يعرف ماذا سيحل به. عيون السينمائيين وعشّاق السينما والمحترفين والإعلاميين من جميع أنحاء العالم كانت شاخصة في اتجاه ما يعتبر قبلة السينما. حاولت إدارة المهرجان تأجيل دورته الثالثة والسبعين التي كان من المفترض أن تعقد من 12 إلى 23 مايو (أيار)، إلى آخر يونيو (حزيران) ومطلع يوليو (تموز)، إلا أن قرار الدولة القاضي بمنع التجمّعات الثقافية على مدار الصيف كله، جعل إمكان انعقاد هذا المهرجان مستحيلاً. فنهاية يونيو ومطلع يوليو، كانت آخر موعد يمكن تأجيل هذا الحدث الدولي إليه، بعد ذلك، يبدأ موسم السياحة، والعطل. وفي سبتمبر (أيلول)، يقام عادة مهرجان البندقية السينمائي، ولا يمكن إقامة مهرجانين في توقيت واحد.

اليوم، بعد محاولات عديدة لفعل شيء ما بهدف إنقاذ كانّ، وبالتالي إنقاذ الصناعة السينمائية المرتبطة به مباشرة وغير مباشرة، صدر الحكم: الدورة الـ73 لن تُقام، في أي شكل من الأشكال، على الرغم من الجهود المبذولة من جانب مفوضه العام تييري فريمو ورئيسه بيار لسكور، خصوصاً في ظلّ المخاوف من موجة ثانية لكورونا. هناك جهات كثيرة، منها نجوم وشركات إنتاج سينمائية وجسم إعلامي، لن تجازف، لا سيما أن شركات التأمين لا تأخذ على عاتقها أي ضرر ناتج من الإصابة بكورونا.

 عالم سينمائي يتيم

عالم السينما يجد نفسه فجأةً وقد أصبح يتيماً. فمهرجان كانّ هو العبور الإلزامي لكلّ السينمائيين في مايو من كلّ عام؛ المكان الأبرز لعرض الأفلام، لاكتشافها، تذوقها، مناقشتها، الكتابة عنها، الترويج لها، وتحضير خروجها في الصالات التجارية لاحقاً. إلغاؤه لا يعني فقط إلغاء مهرجان لم يُلغ إلا مرتين طوال تاريخه، بل يعني إحداث خلل في كامل المنظومة السينمائية، ما سينعكس سلباً على الصناعة السينمائية برمتها، وعلى السينمائيين أنفسهم، وعلى الأفلام نفسها. هذا التأثير لن يسلم منه الإعلام السينمائي، بشقيه المرئي والمكتوب.

الخلل الذي يحدثه إلغاء مهرجان كانّ يأتي على مستويات عدة: على مستوى الأفلام التي كان من المفترض أن تُعرض فيه، وهي أصبحت الآن بلا سقف يؤويها. إنها أفلام من زبدة ما أُنتج في الأشهر الماضية، ولكن شاء القدر أن يحول وباء كورونا دون عرضها في كانّ. فالمهرجان شكّل برنامجه من مجموعة أفلام، وكان استعد لكلّ شيء في حال أقيمت الدورة، وهذا البرنامج سيتم الإعلان عنه (من دون توزيع الأفلام على أقسام)، في مطلع الشهر المقبل، وذلك بدافع رد الاعتبار إلى هذه الأفلام التي حُرم أصحابها من تسلّق سلالم كانّ الحمراء. كلّ فيلم من هذه الأفلام سيحمل علامة خاصة تفيد بأنها من ضمن برمجة كانّ 2020، وهذه تسهّل عملية الترويج لها عند عرضها في الصالات. إدارة كانّ مصرة على مواكبة هذه الأفلام في سياق تسويقها، فهي في الآخر أعمال نالت إعجاب لجنة الاختيار التي عملت لأشهر على مشاهدتها واختيارها والتواصل مع أصحابها. يقول فريمو إن المهرجان تلقى أفلاماً رائعة من كلّ أنحاء العالم، ومن واجبه التسويق لها كي تجد جمهورها المحتمل ولا يمكن التخلي عنها في مثل هذه اللحظة الصعبة. وما إن يتم الإعلان عن البرنامج، حتى تبدأ ورشة عمل هدفها تنظيم عروض خاصة لتلك الأفلام في الصالات التجارية. في هذا السياق، ومن منطلق التضامن المحض، يُحكى أيضاً أن عدداً من المهرجانات التي من المتوقع أن تُعقد في أواخر العالم الحالي، دعت كانّ إلى عرض أفلامها “المشردة” على شاشاتها، لتوفير منبر لها، وضمان لقاء جمهورها. من هذه التظاهرات: بوسان وسان سيباستيان ونيويورك ودوفيل. هذا ما كشفه في أي حال فريمو لمجلة “سكرين دايلي”، حيث كرر أيضاً فكرة التعاون مع مهرجان البندقية السينمائي، من دون أن يوضّح تفاصيله.

مهرجان وجوائز

إلغاء الدورة شكّل ضربة قاسية لنحو 100 فيلم هي في الحقيقة أفلام تغذي موسم الجوائز، من الأوسكار الأميركية إلى السيزار الفرنسية وغيرهما. وهي تغذي كذلك صالات الفنّ والتجربة التي تقوم على هذا النوع من السينما. بعض هذه الأفلام اختار اللجوء إلى العرض عبر المنصّات الإلكترونية، وبعضها الآخر ينتظر إعادة افتتاح الصالات كي يلتقي جمهوره. علماً أن الإحصاءات تفيد بأن هذا الجمهور غير مستعد للعودة إلى قاعات السينما في الوقت الراهن.

هذه الأفلام التي باتت فجأةً خارج جدران مهرجان كانّ بسبب كورونا، ليست الضحية الوحيدة، فهناك عشرات ومئات المهرجانات التي كانت تأخذ من كانّ ما تحتاجه لعرضه على جمهورها. مهرجانات ليست بالضرورة من الصفّ الأول، بل هي تظاهرات تسد الفراغ بين ما يُعرض في سينمات المراكز التجارية من أعمال استهلاكية وما يريده حفنة من هواة السينما. هذه المهرجانات التي عادةً تُعقد في الأشهر التي تلي انعقاد كانّ، ستجد نفسها، في حال عُقدت، وهي تشكو من نقصان فاضح في هذا المجال. وهذا سيحرم بالتالي متابعي السينما من اكتشاف أبرز أفلام السينما المغايرة والاكتفاء بالسينما التجارية.

سوق الفيلم

في المقابل، قررت “سوق الفيلم” التابعة لكانّ الانتقال إلى العالم الافتراضي، ولكن لن تكون متوافرة إلا للصنّاع والمحترفين، لا للصحافيين. هذه السوق هي الأكبر في العالم، وخيار أن تُقام عبر الإنترنت، هو بهدف تبادل ما أُنجز من أفلام في الأشهر الماضية، وما سيُنجز في الأشهر المقبلة، على الرغم من صعوبة التصوير هذه الأيام، ويحملنا هذا إلى مشكلة أخرى هي التصوير في زمن كورونا، بحيث أن قيود قاسية فُرضت على البلاتوهات تطلب من الممثّلين والفريق التقني عدم الاقتراب بعضهم من البعض الآخر، خلال عملية التقاط المَشاهد.

وعلى الرغم من أن السوق أصبحت افتراضية بالكامل، فإدارة كانّ رفضت منذ البداية فكرة المهرجان الافتراضي. حتى أن فريمو سأل: “ماذا يعني مهرجان افتراضي؟ مَن هو جمهور هذا المهرجان؟ كيف ينظم على مستوى الزمان والمكان؟ هل منتج الفيلم ومخرجه على دراية بأن فيلمهما سيُعرض في هذا الإطار؟ كيف يتم منع القرصنة؟ ومَن هم الناس الذين سيتسنى لهم حضور هذا الحدث؟ هذه بعض الأسئلة التي أشهرها في مقابلة له مع “سكرين دايلي”، وهي شرعية ومهمة وتقول ما يجول في رأس المسؤول عن أكبر حدث سينمائي في العالم، وثاني حدث يُغطى إعلامياً بعد كأس العالم.

خلاصة القول: الأزمة سينمائياً كبيرة جداً وخطيرة، وقد تشكّل مناسبة لإعادة هيكلة الكثير من الشؤون التي كان الحديث فيها مؤجلاً، من مكانة السينما في ظلّ صعود نجم الإنتاجات البصرية الأخرى إلى طرق وصول الفيلم إلى الجمهور. يبقى أن 2020 عام سقط حتماً من روزنامة السينما، خصوصاً بعد الفراغ الذي سيتركه غياب مهرجان كانّ الذي ينظّم حياتنا السينمائية ويوفّر “مونة” عام كامل، فيستمر الحديث في بعض أفلامه أشهراً طويلة بعد انعقاد كلّ دورة. إنه الشريان الأساسي الذي تجري فيه الدماء السينمائية. يقول فريمو إن الأزمة ستظل كبيرة ما لم يوحّد الجميع جهودهم، من سينيفيليين إلى فنانين، لعبورها. فالوباء يضعّف قطاعاً هو في الأساس هشّ، وقد يحتاج إلى الكثير من الوقت والصبر والتعنّت للخروج من هذا المأزق، والعودة إلى حيث كانت الأوضاع قبل كورونا.

*المصدر: إندبندنت عربية.

 

Leave a comment