*سمية تيشة

 

يروي متحف قطر الوطني قصة الأوبئة التي اجتاحت منطقة الخليج العربي خلال الفترة الممتدة من 1903م إلى 1919م، ما تسبب في وفاة الكثير من الناس ونزوح آخرين، وذلك من خلال تخصيص معرض كامل عن تلك الفترة يحمل عنوان “سنوات العسرة” في صالة “اكتشاف النفط”.

ويضم المعرض وثائق تاريخية ومراسلات وشهادات من أرشيف التاريخ الشفاهي تكشف مدى خطورة هذه الأوبئة والمعاناة التي عاشها أهل المنطقة مما أدى ذلك إلى وفاة الكثير منهم ونزوح آخرين بسبب المجاعة التي خلفتها تلك الأوبئة الأمر الذي شكل أزمة حقيقية في تاريخ منطقة الخليج العربي.

سنة الرحمة

وفي أرشيف التاريخ الشفاهي يوثق سعادة الشيخ فيصل بن قاسم آل ثاني، الحكايات المؤلمة التي سمعها من الكبار الذين عاصروا “سنة الرحمة”، فخلال عامي 1918م و1919م اجتاحت الإنفلونزا الإسبانية مناطق واسعة من العالم، حيث وصل هذا الوباء إلى قطر وأدى إلى موت الكثير من سكانها، وهروب الكثيرين منهم إلى صحراء الربع الخالي، فيقول الشيخ فيصل في فيديو مصور نشره متحف قطر الوطني عبر حسابه في الانستجرام: “جدي الشيخ فيصل بن ثاني (رحمه الله) مات في سنة الرحمة وهو لم يصل الثلاثين من عمره، فقد تأثر بالوباء ومات هو وزوجته وستة عشر شخصا من نفس الفريج في ثلاثة أيام”، لافتاً إلى أن صديق جده هو من روى لهم كارثة هذا الوباء وكيف فتك بالناس وما رآه العائدون بعد ثلاث سنوات من الهروب الجماعي من الوباء إلى صحراء الربع الخالي من موت الناس في منازلهم، والإبل النافقة على عيون الماء لم تجد من يسقيها، واصفًا “سنة الرحمة” بالكارثة على منطقة الخليج العربي.

انتشار الأوبئة

وقد كانت قطر في أوائل القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، تعتمد بشكل كبير على البحر كمصدر أساسي للرزق، وكانت مدنها وبلداتها الساحلية تستقبل البحارة والتجارة على الدوام من مختلف أنحاء العالم، مما جعلها عرضة للأوبئة والأمراض التي كانوا يحملونها، ففي سنة 1903م انتشر مرض الجدري في كامل منطقة الخليج، وتعرض المنطقة أيضا لموجات من مرض الكوليرا خلال الفترة من عام 1904م، إلى عام 1911م، وفي عام 1918م اجتاحت الإنفلونزا الإسبانية مناطق واسعة من العالم، حيث وصل هذا الوباء إلى قطر وأدى إلى موت الكثير من سكانها، وقد أطلق أهل قطر على هذه السنة اسم “سنة الرحمة” وذلك لكثرة الترحم على الأموات خلالها، وفي سنة 1820م، ضرب الطاعون شمال البلاد مما اضطر الناجون للفرار بسبب المجاعة التي خلفها الوباء.

وتبلغ مساحة متحف قطر الوطني 52 ألف متر مربع، فيما تمتد صالات العرض على مسافة تقدر بنحو 1.5 كيلومتر، وقد قُسمَت صالات العرض وفقًا لتسلسل زمني؛ ابتداءً بالفترة التي سبقت تحوّل شبه الجزيرة القطرية إلى منطقة مأهولة بالسكان وحتى وقتنا الحاضر، ويحكي المتحف تاريخ دولة قطر وتطورها في شكل قصة تتكشف ملامحها عبر سلسلة من الأفلام والوسائط المتعددة والمقتنيات الأثرية والتراثية والمجوهرات، وغيرها من الكنوز الثمينة والمخطوطات والوثائق. وحول الحديقة، تنتشر أعمال فنية أبدعها فنانون بارزون بتكليف من متحف قطر الوطني لإضافة عناصر بصرية جديدة للقصة التي يرويها المتحف، وعلى طول مسار المتحف، يتم سرد القصة في أجواء سينمائية مبهرة من خلال سلسلة من ثمانية أفلام أُنتِجَت خصيصًا لمتحف قطر الوطني من قِبَل صانعي أفلام عالميين مشهورين بالتعاون مع مؤسسة الدوحة للأفلام. تمتد هذه العروض السينمائية على الجدران المنحنية والممتدة لصالات العرض، فتغمر زوَّار المتحف بشحنات عاطفية مُفعمَة بأجواء الرحلة وقد عبّر كل صانع من صنّاع الأفلام عن فصل من فصول قصة قطر بطريقته الخاصة؛ ليخوض الزائر بذلك مغامرة ممتعة ومتجددة دائمًا ومليئة بالمفاجآت البصرية.
*المصدر: الشرق.

Leave a comment