لندن: ندى حطيط

لم تعد مسألة تأثيرات العزلة والوحدة على صحة الأفراد النفسيّة والعقليّة مقتصرة على نصوص الروائيين المقسومين وتهويمات الشعراء الغاوين. لقد اعتلت هذه المصطلحات لجّة الجدل منذ سنوات أقلّه في المجتمعات الغربيّة من بوابة إدارة أوجاع العيش المعاصر، وغالباً بحثاً عن حلول طبية من عقاقير وتقنيات سيكولوجية لتقليل آثارها (السلبيّة) على إنتاجيّة الأفراد العاملين أو لجم تكاليف العناية بالمتقاعدين والمتعطلين. وتحفلُ صحف أوروبا بنقاشات حول السياسات التي ينبغي للسّلطات تبنّيها في ذلك الاتجاه، لا سيّما ببريطانيا التي يُقدّر – وفق حملة إنهاء الشعور بالوحدة – بأن ثلاثين في المائة من مواطنيها يعيشون حالة وحدة دائمة أو غالبة، فيما يصنّف الخبراء الجزيرة بـ«عاصمة المتوحدين في أوروبا»، وهؤلاء أكثر عرضة للموت بنسبة الثلث مقارنة بمن لا يعانون منها. ومنذ العام 2018 تم بالفعل تعيين وزير متفرّغ بحكومة لندن لإدارة ملف الشعور بالوحدة الذي انتشر كوباء يفتك بصحة الأفراد، ويقضي عليهم بأسرع ما قد يفعله تدخين 15 سيجارة في اليوم الواحد، فكأنّه «جذام العصر الجديد». بل وكتب فيفيك مورثي كبير الجراحين الأميركيين عام 2017 «طوال سنوات خدمتي في العناية بالمرضى لم تكن أكثر الأوجاع انتشاراً السكري أو أمراض القلب. ما يسقم ناسنا الشعور بالوحدة».

ولا شكّ أن المخاوف بهذا الشأن تضاعفت منذ تفشي جائحة كورونا، والعزلة المنزليّة الإجباريّة التي فرضت على مليارات البشر حول العالم، من شرقه إلى غربه حتى لم يعد الغارقون داخل كوابيس وحدتهم يدرون أيهم سيقضي عليهم أولاً: وباء العزلة القديم، أم عزلة الوباء الجديد!

مقاربة الغربيين للتّعاطي مع أوجاع الوحدة متأتيّة من منطلق فلسفي فرداني وفق الثقافة الرأسماليّة السائدة، فكأنها مرض كما الأمراض الأخرى تاريخي ويسقم أشخاصاً غير محظوظين دون غيرهم، وربما يكون السبيل الأمثل لكبحه تناول عقاقير تعمل بيوتات صناعة الأدوية الأميركيّة على تطويرها لتكون مصدر إثراء لها على نسق السّموم التي تروّجها لمحاربة الاكتئاب. ولسخرية القدر، فإن السيّدة التي تقود تلك الأبحاث الدوائيّة الآن هي البروفسورة ستيفاني كاسيبّو زوجة وزميلة البروفسور جون كاسيبّو الذي وضع مع رفيق له (ويليام باتريك) أول كتاب علمي الطابع حول الشّعور بالوحدة (الوحدة: الطبيعة الإنسانيّة والحاجة للتواصل الاجتماعي – 2008) واعتبر فيه أن «البشر وكأنهم مفطورون على الترابط الاجتماعي والتلاقي مع الآخرين»، ولذا فإن «عيش صناديق الشقق الصغيرة في مدن مزدحمة لا يعرف أحد فيها أحدا، أو تغلب عليها العلاقات السطحية العابرة، يتعارض جملة وتفصيلاً مع إرثنا التطوري من أسلافنا»، إذ ربمّا كان هذا التوق للبقاء على تواصل سرّ نجاة البشر، وتمكّنهم من مواجهة الوحوش وتغوّلات الطبيعة كمجموع لا فرادى. عند كاسبيّو الوحدة تحوّلت من شعور مؤقت محدود في العصور السحيقة إلى مرض مزمن أوجاعه دائمة في راهن وقتنا، وهو كما كل توتّر عصبي مستدام يدمر صحة الشرايين والقلوب، ويُضعف نظام المناعة بل والقدرات المعرفيّة أيضاً، وهو كليّاً أو جزئيّاً وراء معظم حالات التورّط بتناول المسكرات، وتعاطي المخدرات، وكثير من حوادث الانتحار المؤسفة.

لكن وجهة النظر هذه تبدو مختبريّة محضة، وتفتقد لسند من التاريخ. ديفيد فينسنت في (العزلة – 2020) يذهب إلى التّفريق بين العزلة الاختياريّة والشّعور بالوحدة. فالعزلة فيزيائيّة أساساً، وقد تكون ضروريّة وإيجابيّة أحياناً لترتيب ذواتنا أو إنجاز أعمالنا دون مقاطعات مستمرّة، ولا تقود الناس إلى الفناء بعكس الشّعور بالوحدة الذاتي الذي يمكن المعاناة منه ولو في مكان مزدحم – والذي يراه قاتلاً. فيما تمضي مؤرخة المشاعر الإنسانيّة فايي باوند – ألبرتي في (تأريخ للشعور بالوحدة – 2019) إلى المجادلة بأن الوحدة ليست شعوراً فرديّاً بيولوجياً محضاً، بل نوع من استجابة لمعمار اجتماعي نتاج دور مجتمعي وحالة مكانيّة – زمانيّة في السياسة والثقافة والاقتصاد معاً.

والحقيقة أنّه وفق تأريخ للنصوص الأدبيّة التي وصلتنا فإن الشّكوى من العزلة أو الشعور بالوحدة لم يكن معروفاً –كما نفهمه اليوم– قبل القرن الثامن عشر وبدايات صعود الرأسماليّة الحديثة. وحتى العام 1800 كان الشّعراء الرومانتيكيون والفلاسفة والعابدون يعتبرون العزلة جائزة ومكسباً وطريقاً للسمو والتحليق. وكتب ويليام وردزوورث عن لحظات ساحرة في «تجولت وحيداً كغيمة»، فيما كانت متعة جان جاك روسّو الخالصة استغراقاته المتوحدة مشياً وكتب في ذلك نصاً جميلاً. وبينما لا يظهر (روبنسون كروزو – 1719) في رواية الإنجليزي دانيال ديفو معنياً كثيراً بالوحدة، يبدو أن وحش الدّكتور (فرانكشتاين – 1818) في رواية الإنجليزيّة مارس شيلي كان أوّل الذين وقعوا بين براثن صقيع الوحدة والعزلة بعد أن أنكره النّاس ولفظوه من بينهم.

وبحسب (تأريخ الشعور بالوحدة) فإن ولادة جنين الوحدة الشقي هذا عادة ما تترافق مع تحولات ثوريّة الطابع ديموغرافيّة – اقتصادية كتلك التي تزامنت مع الثورة الصناعيّة وما رافقها من هجرة واسعة من الأرياف نحو المدن بحثاً عن فرص العمل في المصانع، وشيوع العلاقات الماديّة، والازدحامات الخانقة وظروف العيش الساحق، والفردانيّة على حساب التضامن الجماعي للأسر الممتدة والورع الديني الذي كان يمنح قلوب اليائسين نوعاً من السّلوى. ولا مناص لكل عالم اجتماع أو سيكولوجيا جاد اليوم من حسبان تأثيرات السّياسات الاقتصادية النيوليبراليّة في التسبب بتحوّل شعور الوحدة إلى هذه الحالة الوبائيّة النّسق سواء عند الطّبقات العاملة، أو المشردين، أو المهاجرين وضحايا الحروب أو كبار السنّ، أو العاشقين المتباعدين، كما ردود الأفعال المرتبطة بها كالسمنة والإدمان وغيرها. وتزعم باوند – ألبيرتي في كتابها بأنّ الشعور بالوحدة، ليس إلا عباءة اسم يلتحفه خليط فرداني متفاوت من مشاعر الاغتراب المتشابكة بين خوف وغضب وكراهيّة وحقد وأسف وخجل وفقدان وغيرة ورثاء للذات.

ومع ذلك كلّه، وبغير طموحات شركات الأدوية لإنتاج تلك الحبة السحريّة المضادة للإحساس بالوحدة، فإن أحداً لا يعلم تماماً ما يمكن فعله لمكافحة هذا الوباء القاتل دون تقويض أساسيات المجتمع الرأسمالي برمّتها. يقترح البعض مثلاً تبنٍ شخصي للعزلة الاجتماعية دواءً للشعور بالوحدة، وبناء تقبّل تدريجي من الصغر لفكرة العيش مع الذات والاستمتاع بها. بل كانت الأديبة الإنجليزيّة فرجينيا وولف تصرّ – وهي التي انتحرت من الكآبة بالغرق في 1941 – على أن كل فرد من العائلة يجب أن تكون له غرفته الخاصّة كي يمكنه أن يحظى بالفرصة لتطوير ذاته كإنسان. لكّن تلك بالطّبع وأمثالها من الحلول النخبويّة الطابع لا تبدو أطباقاً دانية إلا لطائفة قليلة من الأثرياء والموسرين من علية القوم وأعلى منسوب الطبقة الوسطى أكثر من أن تكون أمراً عمليّاً في متناول الملايين الذين تحاصرهم الوحدة، وهم غالبهم من الشّبان صغار السنّ، والفقراء والأمهات العازبات والمتقاعدين الذين فقدوا الصلة بأبنائهم أو خسروا شركائهم في الحياة. ومما يصعّب الأمر على هؤلاء – في أجواء التقشّف بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 وسعي الحكومات المحموم لتقليص التّقدمات الاجتماعية والخدمات العامّة – أن الشعور بالوحدة أشبه بدائرة لها بداية دون نهاية، إذ أن المستوحدين يصبحون مع مرور الوقت لا اجتماعيين، ويفقدون ثقتهم بقدرتهم على التعاطي الندي مع الآخرين، وكثيراً ما يعجزون عن بناء علاقات صحيّة متوازنة مستقبلاً. إنها مصيدة عصرنا، ولا فكاك منها.

*المصدر: الشرق الأوسط.

Leave a comment