على مدوّنة خصّصتها “مؤسسة الدراسات الفلسطينية” على موقعها، يكتب مجموعة من الفنانين والكتّاب الفلسطينيين يومياتهم خلال “أيام الكارنتينا” العالمية هذه، لكن المفارقة أن الذاكرة الفلسطينية عامرة بتفاصيل الحجر والحظر ومنع التجول، لذلك تبدو كما لو أنها مدرّبة أكثر من غيرها على التعامل مع هذه المحنة الإنسانية.

شارك في المدوّنة إلى الآن الأسير السابق جبر وشّاح، إلى جانب فنانين وشعراء وكتّاب من بينهم هاني زعرب، وتيسير البطنيجي، ومحمود حوراني، وأيهم السهلي، وأنس العيلة، ورشا حلوة، وربا رحمة، وطه يونس، ويافا طلال المصري، وآمنة الأشقر، ولميس فراج، وآخرين.

المشترك بين معظم ما كتب هو تلك المقارنة المستمرة بين ذاكرة المخيم وذاكرة المدينة الأولى، وبين ذاكرة المدن المختلفة التي يعيش بينها فنانون وكتّأب معظمهم منفيين؛ منهم من يسكن فرنسا وبريطانيا وإيطاليا…

نجد الفنان هاني زعرب مثلاً يوازي في يومياته بين ذاكرته وهو طفل وحياة أطفاله اليوم في باريس، وعلى قدر ما يفتقد مكانه الأول يفتقد المدينة التي يعيش فيها الآن، ولكن حدود حركته فيها لا تتجاوز المنزل.

يقول “ما تذكرته أيضاً وللمرة الأولى، وقد بدا واضحاً جلياً لي في هذا الحبس الجديد: أنني مشتاق إلى باريس. هنا، والآن وأنا الساكن في قلبها. وشمسها تلك هي التي تتدفق عليّ من هذه النافذة الكبيرة، حيث أجلس مراقباً نظرات طفلَيَّ الراجعة نحوها ونحوي في آنٍ. قررت عندها أن أذهب سريعاً إلى مرسمي الصغير في حارتي. هذه المرّة، بلا خوف من جندي يتربص بي منذ الطفولة ليطلق عتمته نحو صدري”.

أما يافا المصري المقيمة في إيطاليا، فنقتطف من يومياتها “بادوفا الهادئة لم تكن يوماً مقصداً سياحياً أو مسرحاً لأي أحداث إقليمية، لكن اليوم يبدو أن شيئاً ما قد تغيّر. في هذه المدينة التي لا يحدث فيها عادة أي شيء يستحق الذكر: تم تسجيل أول حالة وفاة بفيروس كورونا الجديد في إيطاليا. المدينة التي لم تعتد لفت الأنظار قررت إغلاق أبوابها دون سابق إنذار، وفرض عزل كامل تجبرنا فيه على ملازمة منازلنا. أمّا أنا فهل يحق لي أن أهلع فعلاً؟ أنا ابنة البطاقة الزرقاء وصفوف الإعاشة، وليدة أكثر مناطق الأرض بؤساً، خرّيجة السجن المفتوح المسمّى مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين، أهلع بسبب إغلاق مؤقت؟”.

ويكتب طه يونس المقيم في بريطانيا “بعد انتهاء الدوام، التقى بآمنة “حبيبتي”. أفكر بأني قد أنقل إليها فيروس قد أكون التقطه خلال نهاري الطويل في الخارج، أخشى عليها دائماً، كي لا يذوي جمالها الذي تعلقت به بسبب فيروس تاجي، هي يليق بها نوع آخر من التيجان. أنهي حديثي معها وأرجع إلى غرفتي، وهناك أعود طفلاً أتذكر حياتي في العزل محطة محطة، أذكر طعم الأشياء على لساني، وأشتاق إلى ناسي في المخيم، إنهم يعيشون كل أقدارهم بفرح، أخشى عليهم، لكن أمي هناك معهم ستعطيهم وصفة دوائية تقتل الكورونا وتحطم تاجه، أمي لا يستعصي عليها علاج أو مرض، دائماً تحل الأشياء بحفنة زعتر بري وبقليل من الميرامية التي تعيد رائحتها الحياة إلى طبيعتها”.

ويكتب الشاعر أنس العيلة المقيم في فرنسا “صعوبة الحجر المنزلي هنا تكمن في أن الشقق صغيرة الحجم، والبيوت غير مهيأة لحياة كهذه، كأنها شُيّدت لتكون فقط أماكن للراحة بعد العودة من العمل، وليس للإقامة الدائمة والمتواصلة لأسابيع وأسابيع داخلها. لا أعرف ما هو الأفضل أو الأكثر سوءاً، أن تعيش في بيت صغير وحدك، وتعاني الوحدة، أم أن تجد نفسك محشوراً فيه مع عائلة من ثلاثة أو أربعة أشخاص كما هي حال كثير من العائلات في هذه المدينة التي تتميز بصغر منازلها كعادة المدن الكبيرة. وأعتبر نفسي محظوظاً لأن الشمس تعبر نافذة بيتي بعد الظهيرة. أصبح هذا موعداً يومياً أتفرّغ له بشكل تام. أجلس على الأريكة حيث تسقط أشعة الشمس، وأتنفس الحرارة مغمض العينيين، لأروي مسامات جسد في حالة عطش شديدة إلى الضوء”.

أما الفنان تيسير البطنيجي المقيم أيضاً في فرنسا، فكتب “هذا الشعور بـ “السجن في الخارج”، أصبح مضاعفاً منذ اندلاع أزمة فيروس الكورونا، واضطراري، كحال الملايين من البشر إلى التزام البيت مع أسرتي، والخروج فقط للضرورة، والمشي في دائرة لا تتعدى الكيلومتر الواحد، ولمدة لا تزيد عن ساعة. أنت سجين في سجنك في الخارج. العلاقة بين الغرفة، الشقة، المبنى، الشارع، الحي، المدينة، الدولة، العالم… بحسب تصنيف جورج بيريك في Espèce d’espace تتخذ معنى جديداً، تتحول إلى سجون أو مساحات منفصلة عن بعضها البعض، والانتقال من حيز إلى آخر لم يعد كما كان، من الأمور البديهية التي نقوم بها حتى دون التفكير فيها، وإنما هو قرار قد تتوقف عليه حياتنا”.

وكتت الصحافية والكاتبة رشا حلوة المقيمة في ألمانيا “كأني أدركت، فقط في هذه الأيام، أني كنت أقيم ببرلين بنفسية سائحة؛ لدي بالتأكيد غرفة أنام فيها، تضم ملابسي وكتبي وبعض الأغراض والذكريات التي حملتها معي من عكا وحيفا، وتلك التي اقتنيتها في أثناء سفري وإقامتي بالبلد الجديد. لكني، وقبل كورونا، كنت أعيش معظم وقتي خارج جدران بيوت برلين التي استأجرتها. أمشي في شوارع المدينة، ألتقي بأصدقاء وصديقات في البارات، ألعب الموسيقى في الحفلات، أرقص في النوادي أو بيوت الأصدقاء بعد دعوة عشاء. فكانت بيوتي في برلين، كل ما هو خارج غرفة النوم”.

*المصدر: العربي الجديد.

Leave a comment