باريس – إن وقف الفكر الفلسفي والاجتماعي وحتى الثقافي والاقتصادي بأدواته القديمة أو الملمّعة في محاولة مقاربة ما يحصل في العالم اليوم، فإن الأدباء كانوا أكثر جرأة وأكثر التصاقا بالواقع المعيش في أركانه المظلمة.

ربما هي قدرة الأدب على معايشة الأزمات وتفكيكها بشكل أسرع من الفكر هي ما أعطت الأفضلية للأدباء في تفكيك الواقع الجديد، لكن يبقى رهان الفكر والأدب في تكاملهما، للفهم والتحليل والجرأة والاستشراف، وهو ما نراه في ما قاله الكاتب الفرنسي المثير للجدل ميشال ويلبيك وكاتب الخيال العلمي الأميركي ستانلي روبنسون.

لا شيء سيتغير

يرى ميشال ويلبيك، أن العالم سيكون على حاله بعد انتهاء أزمة فايروس كورونا المستجد، لا بل قد يصبح “أسوأ بعض الشيء”.

وناقض الكاتب في رسالة تليت أخيرا عبر إذاعة “فرانس إنتر” النظرية القائلة إن العالم سيشهد تحولا جراء الوباء، وقال “لا أؤمن ولو للحظة بالتصريحات التي تقول: إن لا شيء سيكون على ما كان عليه في السابق. على العكس سيبقى كل شيء على حاله”.

وأضاف أكثر الكتاب الفرنسيين قراءة في الخارج “لن نستفيق بعد الحجر على عالم جديد. سيبقى العالم على حاله وأسوأ بقليل أيضا”.

وميشال ويلبيك هو أكثر الكتاب الفرنسيين الأحياء الذين ترجمت كتبهم إلى لغات أخرى. لذا فإن رأيه المثير هذا قد لاقى انتشارا كبيرا.

حيث رأى أن “الطريقة التي آل إليها الوباء طبيعية بشكل لافت” واصفا كوفيد – 19 بأنه “فايروس عادي جدا لا يتمتع بخصائص مميزة، حتى أنه غير منقول جنسيا”.

وقال الكاتب إن وباء كوفيد – 19 “ستكون نتيجته الرئيسية تسريع بعض التحولات الحاصلة” ومن بينها خصوصا “تراجع في التواصل بين البشر”، وسيسرع أيضا برأيه الهجمة التكنولوجية لعزل الناس وتفرقتهم.

وأكد ويلبيك “وباء كورونا يوفر علة وجود لهذا الميل الثقيل المتمثل بنوع من الإهمال الذي يطول العلاقات بين البشر”، وأضاف “من الخطأ القول أيضا إننا أعدنا اكتشاف المأساة والموت والمحدودية وإلى ما ذلك” موجها سهامه إلى بعض الكتاب الفرنسيين المحجورين الذين يطلقون النظريات من داراتهم الصيفية.

وقال الكاتب “لم يكن الموت يوما مكتوما إلى هذا الحد كما كان في الأسابيع الأخيرة” مع وفاة نحو 25 ألف شخص في فرنسا جراء مرض كوفيد – 19.

وأضاف “الضحايا يشكلون فقرة في إحصاءات الوفيات اليومية، والقلق الذي ينتشر في صفوف السكان مع ارتفاع إجمالي الوفيات له بعد مجرد غريب”.

ومضى يقول “أخذ رقم آخر أهمية أكبر بكثير في هذه الأسابيع، وهو عمر المرضى، فإلى أي عمر ينبغي الاستمرار في إنعاشهم ومعالجتهم؟ 70 أو 75 أو 80 عاما؟”.

وقال صاحب كتاب “استسلام”، “لم يسبق أن تم التعبير بهذه الوقاحة الهادئة أن حياة الجميع ليست بالقيمة نفسها”.

من جهة أخرى، اشتكى الكاتب (64 عاما) من عدم تمكنه من السير لأكثر من كيلومتر واحد بعيدا من منزله في العاصمة الفرنسية موضحا “الكاتب يحتاج إلى المشي. محاولة الكتابة مع عدم إمكانية المشي لبضع ساعات بوتيرة سريعة أمر لا أنصح به”.

وفي كتاب “استسلام” الذي صدر في اليوم الذي نفذ فيه الهجوم على أسبوعية “شارلي إيبدو” في السابع من يناير 2015 في باريس، توقع ويلبيك أن يكون الرئيس الفرنسي العام 2022 مسلما مع اعتماد الشريعة في هذا البلد قريبا.

إما النجاة وإما الانقراض

مقال آخر نجده مثيرا للاهتمام قام بترجمته الناقد المصري عادل ضرغام وكيل كلية دار العلوم جامعة الفيوم بعنوان “فايروس كورونا يعيد كتابة خيالنا” لكاتب الخيال العلمي الأميركي كيم ستانلي روبنسون، الذي فكك فيه ظاهرة الفايروس وتبعاتها.

ويقول روبنسون بداية ملقيا اللوم على البشر في ما يحصل “لقد تأخرنا كثيرا بأشكال مختلفة عن هذا التحول. كنا معزولين في مشاعرنا عن الزمن الذي نعيش فيه، فنحن في ظل التأثير البشري على جيولوجيا الأرض، أو التسارع الكبير، أو عصر تغير المناخ – مهما كان الاسم الذي تريد إطلاقه – لم نتوافق مع المحيط الحيوي، ونهدر آمال أطفالنا في الحياة الطبيعية، وندمر رأس مالنا البيئي، كما لو كان الدخل المتوفر تدمير منزلنا الوحيد والمتاح، بشكل يتجاوز قدرة أحفادنا في الإصلاح. وكنا نتحرك بالرغم من ذلك كما لو كنا في فترة 1990 و2000، حيث كانت ترتيبات الليبرالية الجديدة التي شكلت في تلك الفترة لا تزال منطقية. لقد أصابنا الشلل، نعيش في العالم دون أن
نشعر به”.

مضيفا أننا نعيش في لحظة تاريخية ودرامية مثيرة وأننا “نتصرف الآن فجأة بسرعة كحضارة. نحن نحاول – بالرغم من العوائق العديدة – تسوية المنعطف، حتى نتجنب الموت الجماعي”.

وتابع روبنسون “سلّم معظمنا – على المستوى الفردي – بأننا نعيش في عصر علمي. إذا شعرت بالمرض تذهب للطبيب، وهو بالفعل عالم، هذا العلم يختبرك.. الآن جاء المرض الذي يمكن أن يقتل أي شخص على هذا الكوكب، إنه غير مرئي، وينتشر بسبب الطريقة التي نتحرك ونتجمع من خلالها. لقد تغيرنا على الفور، فنحن نراقب كمجتمع الإحصائيات، ونتبع التوصيات، ونستمع إلى العلماء.
هل نؤمن بالعلم؟ تحرك إلى الخارج وسوف تبصر الدليل في كل مكان تنظر إليه. لقد تعلمنا أن نثق في العلم كمجتمع، وهذا جزء آخر من بنية الشعور الجديدة”.

ويعتقد الكاتب أنه في غضون بضعة أشهر سنعود إلى نسخة جديدة من الوضع الطبيعي القديم، رغم أن هذا الربيع لن ينسى، حسب تعبيره، متسائلا “ما هي الصدمات القادمة؟ الكل يعرف كل شيء.. بعض الصدمات سيكون محليا، والبعض الآخر سيكون إقليميا، ولكن الكثير منها سيكون عالميا، لأننا – كما أوضحت لنا الأزمة الآنية – مترابطون في المحيط الحيوي والحضارة”.

وراجت مؤخرا أن مؤلفي الأدب العلمي ربما هم الأكثر دراية وقدرة على التكيف حيث بعضهم تنبأ ببعض مما نحن فيه، لكن روبنسون يقول “كتّاب الخيال العلمي لا يعرفون شيئا عن المستقبل أكثر من أي شخص آخر. التاريخ البشري لا يمكن التنبؤ به. فمن هذه اللحظة يمكن أن ننزلق إلى حالة انقراض جماعي، أو نرتقي إلى عصر الرخاء أو الازدهار العام.
وإذا قرأت – بالرغم من ذلك – قصص الخيال العلمي ربما تكون أقل اندهاشا مما يحدث. فقصص الخيال العلمي غالبا تتبع تداعيات تغيير واحد مفترض، ويشترك القرّاء في تشكيل وإنشاء الحكم على معقولية إبداع الكتاب، واستجواب ومساءلة نظرياتهم عن التاريخ. القيام بذلك بشكل متكرر ومتعمد نوع من التدريب يمكن أن يساعدك على الشعور بالمزيد من التوجه نحو التاريخ الذي نصنعه الآن”.

ويلفت الكاتب إلى أن الأشخاص الذين يدرسون التغيرات المناخية يتحدثون عن “مأساة الأفق”، لكننا لا نهتم بشكل كاف بهؤلاء الأشخاص المستقبليين، مقرا بأننا نواجه الآن نسخة مصغرة من مأساة الأفق الزمني. لكن وسط المأساة والموت، هناك مصدر للبهجة، كما يقول، مؤكدا أنه “بالرغم من أن نظامنا الاقتصادي يتجاهل الحقيقة، فيمكننا العمل معا عندما نضطر إلى ذلك، فعلى الأقل كلنا مرعوبون معا. إن هذا الشعور الجديد الخاص بروح التضامن – من وجهة نظري – هو أحد الأشياء القليلة المطمئنة”.

ويضيف روبنسون “قالت مارجريت تاتشر ‘لا يوجد شيء اسمه المجتمع‘، وقال رونالد ريغان ‘الحكومة ليست لحل المشكلة، الحكومة هي المشكلة‘. مثل هذه الشعارات الغبية وضعت إشارة أو علامة للابتعاد عن إعادة الإعمار في فترة ما بعد الحرب، وعززت الكثير من هراء السنوات الأربعين الماضية. نحن أفراد أولا، نعم، تماما مثل النحل، ولكننا نعيش في إطار اجتماعي أكبر. المجتمع ليس حقيقة فقط، إنه أساس لا يمكننا العيش من دونه. فقد بدأنا نفهم في تلك اللحظة أن هذه ‘النحن‘ تشمل العديد من المخلوقات والمجتمعات الأخرى في مجالنا الحيوي، وحتى في أنفسنا. فحتى لو كنت فردا فأنت عبارة عن نظام بيولوجي أو بيئي مثل الغابة أو المستنقع. إننا مجتمعات تتوالد من مجتمعات، لا يوجد شيء غير المجتمعات“.

ويشدد الكاتب على أن بنية شعور الليبرالية الجديدة تتداعى وتتفكك. مضيفا “ماذا بعد ذلك، عندما تنحسر الأزمة. وتلوح في الأفق أزمة أكبر، فإذا كان مشروع الحضارة – ويشمل العلوم والاقتصاد والسياسة، وكل ما يتبقى منها – سيجعلنا جميعا الثمانية بلايين نسمة نعيش في توازن مستمر طويل الأمد مع المحيط الحيوي للأرض، فيمكننا القيام بذلك. وعندما يكون مشروع الحضارة – على النقيض من السابق – هو تحقيق الربح الذي بطبيعة تعريفه يذهب إلى عدد قليل فقط، فإن الكثير مما نقوم به يضر بشكل قوى آفاق جنسنا على المدى الطويل”.

ونذكر أن كيم ستانلي روبنسون هو كاتب خيال علمي أميركي من مواليد مارس 1952، يعتبر واحدا من أفضل كتاب الخيال العلمي على قيد الحياة. وقد نشر تسع عشرة رواية والعديد من القصص القصيرة ولكنه معروف بثلاثيته عن المريخ. ترجمت أعماله إلى 24 لغة. تحتوي العديد من رواياته وقصصه على مواضيع إيكولوجية وثقافية وسياسية.

*المصدر: العرب.

Leave a comment