سلايدرنثرنصوص

المستحيلة

*قاسم حداد

1
قياساً للحياة، حياتنا، أقترح أن نعتبر (الكتابة) ضرباً من المستحيل. وأعني هنا الكتابة التي تنزع إلى التعبير عن النفس الحيّة. ليس ترفاً أن تكتب. وليس نزهة أن تكتب. وليس استكمالاً لإثبات الوجود أن تكتب. وليست وجاهة اجتماعية أن تكتب. وليس تنزيهاً للخاطر أن تكتب. وليس صقلاً للذكاء أن تكتب. وليس لتنال وساماً وجائزةً أن تكتب. وليس امتيازاً عن سواك أن تكتب. وليس لتغيير العالم أن تكتب. ولا لأجل أن تكون نبياً تكتب. ليس ذلك كله، وغيره، سبباً وجيهاً لأن تكتب.
لابد لك من مواجهة حقيقة أن تكتب، خصوصاً إذا طرحتَ على نفسك سؤال الجدوى من الكتابة. أن تكتب باحتمال ما سبق كله، لكن بمعزل عن أوهام الجدوى المباشرة للكتابة. الكتابة هي الجدوى التي لا تتعدى ذاتها. الكتابة ضربٌ من الصلاة، قال ذلك كافكا، صلاة ممدودة في العتمة. مثلما تصلي، في مذبح كنيسة معتم، أو في محراب مهجور، لا يراك أحد سوى الله. الكتابة هي كلمتك الواحدة الوحيدة إلى الله.

2
إذا كنتَ قد أمضيتَ سنوات عمرك الماضية، معللاً نفسك بأحد الأسباب والدوافع، التي لا تُحصى، نحو الكتابة، فها أنتَ الآن مضطر لمساءلة نفسك، ووضعها في مجابهة عارية مع الحقائق الجذرية الجديدة. وها أنت في عزلتك الذهبية المقدسة، وحيداً، تقصر عن التثبت من جواب ذلك السؤال الصارم الفج في صراحته. ها أنت، حتى موهبتك المزعومة لا تمتلك جدارة الإجابة على سؤال كهذا.

3
بعد مراجعة وتأمل صنيعك، وصنيع غيرك، وقياسه على الواقع الحي الذي اجتزته، بالعمر والإنتاج الأدبي، لتعرف، وتخبرنا، ما الذي أردته وما زلتَ تريده من الكتابة. فعلى صعيد واقع حياتنا، من يزعم أن ثمة تحولاً إيجابياً نوعياً قد حدث في أزماننا المعاصرة؟ (تفقد الأسماك ذريعتها، فيفيض الغيظ، وتهمُّ الأحلام على النوم، وحدها السماء تحسن قراءة الندم وأخطاء الموج.
ألا تبدو لنا الأمور مستحيلة، في سبيل تغيير الحياة، حياتنا بالذات؟ الاستحالة لا تتمثل فقط في عدم التغير الإيجابي هذا، ولكنها تتمثل في التراجع المتسارع الفظّ، الذي ينمو ويتكرر ويتضخم في حياتنا وحولنا، ويحوّل أحلامنا إلى نوعٍ من الركام الرمادي المتفاقم، لكأن الأوهام أكثر رأفة منه.

4
الاستحالة تنشأ من الحياة، حياة مستحيلة نتجرّعها يوماً بعد يوم. حياة هي النجاة الوحيدة المتاحة من الموت. فلسنا، قياساً للإنسان في حضارة القرن الواحد والعشرين، نُحسبُ من البشر إلا جزافاً ومغامرة، لئلا نبدو أقل من القرود. فعندما تصادف مخلوقاتٍ محرومةً من هواء الحرية محبوسةً في أقفاصٍ مكيفة الهواء، ليس من الحكمة حسبانها من الناس. غير أننا نثبت من قدرتنا على تفسير هذه الاستحالة بوصفها ضائقة عابرة في حياة بطيئة. أعرف، في تاريخنا الحديث، بطأَ أفنى شعوباً وكادَ يفتك بشعوبٍ أخرى، فليس سهواً أن يُقطع الهواء عن القلب، أو يسحق شريان في الكبد.

5
تعال إذن أنظرْ لما يمكن كتابته عن قلبٍ مقطوع وكبدٍ مفدوحٍ، وبأطرافٍ مبتورة أو تكاد. وإذا كانت الكتابة استمراراً لشهيق مناضلي الكون، فسوف نستطيع تقدير حجم المسافة المستحيلة التي تقطعها الكتابة وهي تتخلّق بلا مهربٍ ولا نجاة. ها نحن قرابين الكتابة المستحيلة بامتياز. فلا الآلهة تشفق ولا العبيد يبرأون. نسمّي الكتابة مستحيلاً، لئلا نواصل، حدّ الإدمان، على الظنّ، (هل قلتُ التوهم؟) بأن ثمة جدوى.

6
ومثلما أعرفُ الصراع في الحياة، أعرفُ الموتَ، فكلاهما شرط الكتابة والقراءة. غير أنني لم أعد أصدّق أن الكتابة عبدة تخدم هذا الصراع في الحياة، أو ذريعة لمن يموت في سبيلها. الكتابة، عندما تحدُثُ، فهي مستحيلٌ (المستحيل الذي) لا يعول عليه.
الآن، مَنْ ذا يريد قياس حياتنا، بالكتابة؟

*المصدر: القدس العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق