*سناء أمين

 

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها في محاولة لإضاءة جوانب أخرى من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، التاسع والعشرون من نيسان/ أبريل، ذكرى ميلاد الشاعر المصري اليوناني قسطنطين كفافيس (1863 – 1933).

شكّلت سيرة الشاعر المصري اليوناني قسطنطين كفافيس (1863 – 1933) الذي تحلّ اليوم الأربعاء ذكرى ميلاده، موضع اهتمام كثير من النقّاد الذين حاولوا فكّ العزلة والغموض التي أحاط بهما حياته، حيث جُمعت قصائده كاملة بعد رحيله بأكثر من خمسة عشر عاماً، لتنال تجربته حظّها من التقدير.

وُلد الراحل في الإسكندرية وفيها عاش معظم سنوات عمره، وكان الابن الأصغر لعائلة يونانية أرستقراطية قدمت من تركيا لتستقرّ في مصر وتعمل في تجارة الألماس، ورغم انتقاله مع والدته التي تعلّق بها كثيراً إلى لندن حيث أقام لعدّة سنوات، إلا أنه عاد إلى مسقط رأسه وعمل في وظائف رسمية وفي البورصة، ولم يغادرها سوى في رحلات قصيرة إلى تركيا واليونان وفرنسا، وقد دُفن في مقابر المصريين اليونانيين بحي الشاطبي في المدينة.

كتب كفافيس الشعر في فترة مبكرة ونشر قصيدته الأولى عام 1891 في مجلة “المساء”، ليواظب بعد ذلك على النشر في عدد من المجلّات الأوروبية، لكنه كان يكتب حوالي سبعين قصيدة في العام ولا يحتفظ سوى بعدّة قصائد منها فقط، وصدرت مجموعته الأولى سنة 1904، والثانية بعد ستّ أعوام، ليترك معظم شعره غير منشور في كتاب.

في عام 2011، صدرت أعماله الشعرية الكاملة بترجمة وتقديم رفعت سلام، مع ثلاث قراءات حول تجرته وضعها كلّ الروائي البريطاني إ. م فورستر والشاعر الأميركي و. ه. أودن، والباحث الأميركي ج. باورسوك، وتضمّ المجموعات الخمس للشاعر، وملحق به إضاءات تأريخية وثقافية للقصائد المختلفة التي تضمنتها الترجمة، والصور الفوتوغرافية والكاريكاتيرية لكفافيس، التي نفّذها مصوّرو ورسّامو النصف الأول من القرن العشرين.

كما تعدّدت الدراسات النقدية التي تناولت حساسيته الشعرية وقراءاته الواسعة للأدب الإنكليزي، ومعرفته باللغات الفرنسية والإيطالية واليونانية، ودراسته للتاريخ البيزنطي والإغريقي الذي شكّل محور اهتمامه، والثيمات الأساسية في شعره، والاقتصاد في استخدامه الشخوص والاستعارات، والايحاء الدائم بالايقاعات الشفهية والعاميات، وإعادة تقديمه للأنماط الدرامية الهلنستية التي أعاد إحياءها.

تالياً محموعة قصائد كفافيس التي ترجمها روني بو سابا عن اليونانية مباشرة، ونشرتها “العربي الجديد” خلال عاميْ 2017 و2018:

المدينة

قلتَ: “سأرحل إلى أرضٍ أخرى، سأرحل إلى غيرِ بحرْ
مدينةٌ غيرُ هذه، أفضلُ منها، ستوجدْ.
العذابُ مكتوبٌ لكلِّ محاولةٍ لي
وقلبي، كالميت، مدفونْ
حتّامَ تبقى روحي في هذا الانحطاطْ؟
أنّى أَطُفْ بناظريّ، أنّى أتطلّعْ
أرَ هنا حطامَ حياتي الأسودَ
إذ أمضيتُ كلَّ ذي السنينَ وبدّدتُها وأهدرتُها”
مطارحَ جديدةً لن تجدَ، لن تجدَ بحاراً أخرى
المدينةُ ستلاحقُك. ستدورُ على الدروبِ
عينِها. وفي الأحياء نفسِها ستشيخ
في البيوتِ ذاتِها ستشيب
ذي المدينةَ دوماً تبلُغُها، إلى سواها -لا تأملْ-
لا قاربَ لكَ، لا دربْ
وإذ بدّدتَ حياتَك هاهنا
في هذا الركنِ الصغير، في كلّ الأرض أهدرْتَها.

■ ■ ■

ألا كانوا تدبّروا

صرتُ أشبه بالمسكين.
هذه المدينة الغاوية، أنطاكية
أهدَرَت أموالي كلّها:
هذه الغاوية بمعيشتها المُسرِفة.

لكنّي فتى، بتمام الصحّة.
فقيه باليونانيّة مذهل
(أعرف بل أفقه أرسطو، وأفلاطون؛
والخطباء والشعراء وكلَّ ما تتمنّاه).
لي دراية بشؤون العسكر،
ولي صداقات بقادة المرتزقة.
ولي قليل علم في الإداريّات.
في الإسكندريّة أقمت ستّة أشهر، العام الماضي؛
أعرف إلى حدّ ما شؤونهم (وهذا مفيد):
تطلّعاتِ كاكيرجاتيس، وأعمالَه الحقيرةَ، وغيرَها

من هنا أعرف أنّني بالمطلق
مناسب لخدمة هذا البلد
وطني الحبيبِ سورية.

أيَّما عمل يَكِلون إليّ، سأجتهِدُ
كي أكون نافعاً للبلد. هذه نيّتي.
وإن أعاقوني بأنظمتهم-
نعرفهم هؤلاء الأشاوس: أننطِق الآن؟
إن يُعيقوني، ما ذنبي أنا؟
سأتوجّه إلى زافينَ أوّلاً
وإن لم يقدّرني هذا الغبيّ،
سأذهب إلى خصمه، غريبوس
وإن لم يوظّفني هذا الأحمق أيضاً،
أذهبْ فوراً إلى إيركانوس.

لا شكَّ سيرغب فيّ أحد هؤلاء الثلاثة.

وإنّ ضميري مُرتاح
لقراري المتهوِّر.
ثلاثتهم يضرّون بسورية بشكل متساوٍ

لكن ما ذنبي أنا المُعدم.
أنا محض فقيرٍ يطلب الستر
أما كان بمستطاع الآلهة
أن يتدبّروا رجلاً رابعاً صالحاً؟
لكنت بكل يسر اصطففت معه.

■ ■ ■

سمعان

أعرفها، نعم، أشعارَه الجديدة؛
تحمّست لها بيروت.
سأطالعها في يومٍ آخر.
اليوم لا أقدر لأنّي مضطربٌ قليلاً.

بالتأكيد هو أكثر تبحّراً باليونانيّة من ليبانيوس.
لكن أهو أفضل من ميلايغروس؟ لا أظنّ.

آ، يا مافيس، من ذا ليبانيوس! وما هذي الكتب!
وما هذي الدناءات!….. يا مافيس، كنتُ أمس-
بداعي الصدفة – تحت عمود سمعان.

اندَسَسْتُ بين المسيحيّين
الذين كانوا يصلّون بصمت ويتعبّدون،
ويسجدون؛ لكن، أنا غير المسيحيّ،
لم يكن لي سلامُ نفسِهِم.
وكنتُ أرتجف، وأُدهَشُ، وأضطرب.

آ، لا تبتسِم؛ خمسٌ وثلاثون سنةً، تفكَّر-
صيفاً، شتاءً، ليلاً، نهاراً، خمسٌ وثلاثونَ
سنةً على عمود يعيش ويشهَد.
قبل أن نولَدَ نحن- أنا عمري تسعٌ وعشرون سنة،
وأنت على ما أعتقد أصغر منّي-
قبل أن نولَدَ نحن، تخيّل،
صعِدَ سمعانُ إلى العمود
ومذّاك هو هناك أمام الله.

لا رغبة لي في العمل اليوم
ما عدا هذا، يا مافيس، من الأفضل أن تقوله
مهما يقُلِ السَفسطائيّون،
فإنّي أعترف بلامُن
شاعراً أوّلَ على سورية.

■ ■ ■

نُصُبٌ جِنازيّ لأنطيوخوسَ
ملك كوماجين

بعد عَودةِ أختِهِ، حزينةً، من جِنازتِهِ
أختِ العائش بتقشُّفٍ ودعة
الكثيرِ العلم أنطيوخوسَ ملكِ
كوماجينَ، أرادت له نُصباً جِنازيّاً.
والسُفِسْطائيُّ الأفسُسيُّ كاليستراتُسُ- المُقيمُ
غالباً في دُوَيلة كوماجينَ،
والمُضافُ في البيتِ المَلَكيّ
مراراً وبالترحاب-
كتبه، بمشورة من مدّاحي بلاطٍ سوريّين،
وأرسله إلى السيّدة العجوز.

“مجدَ أنطيوخوس الملك الفاضل
فليُمتَدَح، عن استئهال يا أهل كوماجين.
كان للبلد قائداً بعيدَ النظر
كان عادلاً، وحكيماً، وشجاعاً.
كان أيضاً بهذا سامياً، إنّه يونانيّ-
لا ميزة للإنسانيّة أكثر تشريفاً.
فَما زاد من ميزات الآلهة”.

*المصدر: العربي الجديد.

Leave a comment