سلايدرسينما وتلفزيونفنون

فرويد” شخصية درامية في مسلسل نمساوي

*أمير العمري 

من المعروف أن فرويد كشخصية درامية لم يتم تجسيدها كثيرا في السينما أو الأعمال الدرامية عموما، وربما يكون أقرب عمل إلى الذاكرة، قام بتجسيد هذه الشخصية الفريدة التي لا تزال مثارا للجدل، هو فيلم “منهج خطر”A Dangerous Method (2011) للمخرج الكندي ديفيد كروننبرغ عن مسرحية للكاتب الإنجليزي كريستوفر هامبتون، وقد ظهر فرويد في الفيلم مع تلميذه كارل يونغ، وسابينا شبيلرين.. اليهودية الروسية التي كانت المريضة الأولى التي يتعامل معها، “يونغ” ثم يقع في حبها، وتمكن من علاجها طبقا لمنهج أستاذه فرويد بعد أن توصل إلى أن سبب عقدتها يكمن في الكبت الجنسي والشعور بالقمع والحرمان.

فرويد الدرامي

ظهر فرويد كشخصية درامية أيضا في فيلم “يوميات سيغموند فرويد السرية” للمخرج دانفورد غرين (1982). وكان هنا شابا، يكتشف منهج التحليل النفسي، أي في نفس الفترة التي تدور فيها أحداث مسلسل نتفليكس الجديد. ومن أكثر الأفلام التي استندت إلى نظريات فرويد في التحليل النفسي، وفكرة السيطرة على النوازع الداخلية الكامنة داخل النفس البشرية وتوجيهها، فقد ظهرت في فيلم “البرتقالة الآلية” لستانلي كوبريك، أما فكرة الهواجس الجنسية المكبوتة وكيف تظهر على السطح من خلال الأحلام، فقد عالجها كوبريك أيضا في فيلمه الأخير Eyes Wide Shut الذي أفضل ترجمته “غض النظر” وليس (عيون مغلقة على اتساعها). وهو في رأيي من أفضل أفلام كوبريك رغم أن الناقدة الأميركية الأشهر بولين كيل، اعتبرته “قطعة من القمامة”!

ومن الملفت أن هذا الفيلم كان يستند إلى رواية قصيرة للكاتب النمساوي آرثر شنيتزلر، الذي كان من معاصري فرويد في فيينا، وقد أشاد به فرويد نفسه كثيرًا، وقال إنه يمتلك رؤية ثاقبة لمسألة اللاوعي.

أما ظهور فرويد نفسه على الشاشة بشخصيته الحقيقية، فلم يحدث قط رغم الإغراءات. فالمعروف أن المنتج الأميركي صامويل غولدوين، عرض عليه 100 ألف دولار عام 1925 (لا شك أن قيمتها الحالية تبلغ عشرات الأضعاف) مقابل الظهور في فيلم “أنطوني وكليوباترا”، لكنه رفض، كما رفض عرضا آخر من منتج ألماني للعمل كمستشار نفسي لفيلم “أسرار الروح” الذي أخرجه ج. و. بابست. فقد كان فرويد يعتبر أن مجال الفن يتعارض تماما مع مجال العلم، ولم يكن يود أن يصبح “التحليل النفسي” لعبة درامية يتم تداولها في الأفلام.

على أي حال، ها نحن قد وصلنا اليوم في مسلسل نتفليكس الجديد القصير “فرويد” Freud إلى أن أصبح فرويد نفسه مجددا، شخصية درامية، ليس فقط كمحلل ومعالج نفسي شاب يكتشف منهجا جديدا في علاج مرضاه، بل يستخدم منهجه الجديد الذي قوبل بالرفض والاستعلاء والسخرية من جانب أساتذته وزملائه في العمل، كمرشد يتعاون مع الشرطة في تعقب المجرمين الذين يرتكبون سلسلة من الجرائم الغامضة التي تقع في فيينا أواخر القرن التاسع عشر.

يتكون المسلسل من 8 حلقات (يقال إنه الجزء الأول، يتلوه جزء ثان وربما ثالث). وهو فكرة وإخراج المخرج النمساوي مارفن كرن، وبطولة عدد من ألمع الممثلين الذين يجعلون من هذا المسلسل عملا أكبر كثيرا من محتواه، أي متعة للعين وللأذن، بفضل الأداء الواثق المدهش.

اشترك في كتابة العمل مع مخرجه، اثنان من كتاب السيناريو هما ستيفان برنر، وبنجامين هسلر. وتحمل كل حلقة من الحلقات الثماني عنوانا مستمدا من منهج فرويد في التحليل النفسي أي من مصطلحاته الخاصة. هذه العناوين هي: الهستيريا، الصدمة، السير خلال النوم، الطوطم والطوطمية، الرغبة، النكوص، التنفيس، والقمع. وتظهر آثار هذه المفاهيم خلال السرد في كل حلقة من الحلقات من خلال تطور الدراما.

نحن في فيينا عام 1886. فرويد لا يزال طبيبا شابا مبتدئا يحاول الإلمام بخفايا التنويم المغناطيسي كوسيلة يستخدمها في استدعاء خفايا النفس البشرية. وهو يتدرب مع مدبرة منزله “ليونور” قبل أن يقدم معها عرضا أمام زملائه، فيقابل بالسخرية. فالنظرة العامة تجاهه أنه يهودي مهرج لا يمكن الثقة به وبما يعرضه، بل إنه سيواجه دائما التحذيرات من أستاذه البروفيسور “مينيرت” الذي يرى أن المرض النفسي ناتج عن المرض العضوي أي عكس نظرية فرويد التي تقوم على أن المرض العضوي قد يكون نتاجا للاضطراب النفسي.

فرويد يعيش في شقته بعيدا عن خطيبته “مارتا” حيث يستغله شقيقها ويرفض أن يرد إليه المال الذي أقرضه إياه، إلا أن فرويد يلقى الدعم من صديق له، يرتاد معه منتديات الطبقة الراقية حيث يتعرف على الكونتيسة “صوفيا” المجرية وزوجها، ثم يحضر جلسة لتحضير الأروح عن طريق الوسيطة الروحية الشابة “فلير سالومي”. وتقع أحداث غريبة يربط بينها المسلسل في حلقاته التالية. لكنه يبدأ أولا باختفاء فتاة صغيرة تدعى “كلارا”. ولأن فلير تمتلك قدرة خاصة خفية على استبصار ما لا يراه الآخرون من خلال التنويم، تتمكن من إرشاد فرويد (ثم الشرطة) إلى مكان الطفلة ويتم إنقاذها لكنهم يعثرون عليها مقيدة بعد أن بتر أحد أصابع قدميها. ولهذا بالطبع قصة بتفاصيل معقدة تتعلق بشخصية الرجل الذي اختطفها وأنزل بها هذا “العقاب”.

مع أسرته التي يزورها أحيانا، يبدو فرويد زاهدا في اتباع التقاليد اليهودية، ومترددا في الارتباط بالزواج من خطيبته، وفي أحد المشاهد الخيالية التي تدور على مستوى الأحلام في المسلسل، نراه وهو يتعذب بين علاقته المشحونة مع والده (الذي يريد قتله) وبين ولعه الخاص بأمه (التي يضاجعها في الحلم)، كما لو كان يستنبط من عالم الأحلام فكرة عقدة أوديب أي الارتباط مع الأم، وغيرته القاتلة من الأب. وكلها أفكار تندفع من عقله الباطن تحت تأثير الكوكايين الذي يتعاطاه اعتقادا بأنه يمنحه القدرة على التركيز.

في البداية سيعثر مفتش الشرطة “كيس” وهو ضابط سابق في الجيش، على عاهرة شابة قتيلة، وقد تم التمثيل بجثتها. ويتجه الشك إلى ضابط في الجيش يدعى غيورغ كان رئيسا لكيس في الجيش وارتكب مذابح بشعة بل وأرغم كيس على المشاركة في ارتكابها خلال الحرب مع كرواتيا، وأصبح بينه وبين كيس ثأر قديم فهو الذي تسبب في انتحار ابن كيس الذي كان مجندا في الجيش معه، وترمل زوجته التي تعيش في كنف الضابط مع طفليها الآن.

عنف وجنس

يستخدم فرويد التنويم مع “فلير” ليكتشف أنها تعاني من ازدواجية الشخصية، وأنها ضحية الحرب، وأن الكونتيسة “صوفيا” التي تجيد بدورها التنويم الإيحائي، تستخدمها وتوجه طاقة الشر الكامنة في داخلها، لدفع بعض الأشخاص، و من بينهم مغني الأوبرا “موخا”، في ارتكاب سلسلة من الجرائم، يقصد بها إشاعة الفوضى في فيينا، وسننتقل من النفسي إلى السياسي والصراع بين القوميين المجريين الذين يريدون الانفصال عن الإمبراطورية النمساوية-المجرية، والانتقام لما حل من إذلال بالأرستقراطية المجرية، إلى الرغبة في السيطرة نفسيا على ولي العهد النمساوي الأمير رودلف عن طريق استخدام “فلير سالومي”، مع الكثير من مناظر العنف والجنس وتقطيع الأوصال وصبغ الجدران بالدماء، وقضم اللحم البشري الحي، واستخدام مومياء مصرية كرمز للشر كما هي العادة في السينما الغربية.

تتركز الحلقات الأخيرة من المسلسل على الثلاثي الرئيسي: فرويد، مفتش الشرطة الفريد كيس، وفلير سالومي ذات القدرات الخاصة والمعذبة نفسيا كونها تعاني من وطأة الماضي القاسي الذي تعرضت له وهي طفلة صغيرة تم انتشالها من وسط مآسي الحرب بعد مقتل والديها والتنكيل بهما، وتبنتها صوفيا التي اكتشفت ما تتمتع به من قدرة خاصة، لتوجيهها من أجل خدمة مصالحهما.

التواءات فنية

في المسلسل الكثير من الالتواءات في الحبكة، كما نرى عندما ترفض صوفيا في البداية بقوة وإصرار الاستجابة لمجموعة من فرسان الأرستقراطية المجرية، الذين يأتون إلى قصرها خارج فيينا، لإقناعها مع زوجها، بالانضمام إلى حملتهم من أجل تخريب الشراكة المجرية مع النمسا، حيث تتظاهر بأنها من أنصار السلام ومن أشد المؤيدين للاتحاد بين البلدين، لكننا سنكتشف فيما بعد أنها تتآمر بطريقتها الخاصة، من أجل اغتيال القيصر نفسه وتقويض الاتحاد.

أما المفتش كيس فهو يتمكن خلال مبارزة (قانونية) من قتل غريمه الضابط غيورغ، لكنه سيواجه بعد ذلك مؤامرات رفيق غيورغ (هناك علاقة شاذة تجمع بينهما) الذي يسعى إلى قتله بتحريض من والد غيورغ، رئيس أركان الجيش النمساوي، الذي يريد الانتقام لمقتل ابنه. وسوف يستعين كيس بفرويد وفلير لمعرفة الكثير من الألغاز مما يجري حوله.

من ناحية المحتوى يخلط المسلسل، بين الوقائع التاريخية والخيال، فهو يتضمن الكثير من المواقف والشخصيات الخيالية، إلى جانب بعض الشخصيات الأخرى التي عرفها فرويد في حياته. لم يثبت قط مثلا، أن فرويد تعاون مع الشرطة في فك ألغاز الجرائم على غرار شرلوك هولمز. لقد كان مهتما فعلا بالتنويم المغناطيسي، وربما يكون قد كتب كتابا عنه ثم حرقه ولم ينشره، كما نرى في المسلسل. كما كان مهتما بموضوع الكوكايين، وتشير بعض الدراسات أنه أراد استخدامه لمساعدة صديقه الدكتور “أرنست فون فليتشل ماركوف” في الإقلاع عن المورفين، باستخدام الكوكايين كبديل. بل وقد كتب بحثا عن الكوكايين عام 1884، كما قيل إنه كان يجربه على نفسه. لكن ليس ثابتا أن فرويد قد أدمن عليه.

وفي المسلسل الكثير من المشاهد الجنسية التي تدور تحت تأثير المخدر، أو ربما في الوعي الباطن. ولعل من أكثر الأشياء المثيرة في المسلسل قدرة مخرجه على الانتقال المدهش بين عالمي الواقع والخيال، وما يخلقه من تداخل في ما بينهما، أي بين المستوى العقلي الواعي والمستوى الآخر الغامض الدفين، وكان فرويد يسعى دون شك، لاكتشاف ما يختزنه العقل الباطن، وكذلك بفكرة التنفيس عن المكبوت كوسيلة علاجية.

من ناحية الأسلوب، يمزج المخرج مارفن كرن بين أساليب الفيلم البوليسي، فيلم الجريمة والمطاردة والتعقب البوليسي والكشف عن القاتل، وفيلم الرعب، مع اقتباسات من أفلام دراكولا وفرانكنشتاين والرجل الذئب وفاوست ودكتور كاليغاري. وهناك الكثير من المشاهد المفزعة في المسلسل تدور حول ما يطلقون عليه “التالتوز”، وهو كائن وهمي خرافي تقام له طقوس شبيهة بعبادة الشيطان، ويكتشف فرويد من خلال أبحاثه في كتب الخرافات أنه يمتلك قوة فائقة على السيطرة على الآخرين، ويجعله المسلسل مرادفا للقوى الشريرة الكامنة داخل النفس البشرية التي تدفع الإنسان تحت ضغوط معينة، للعنف والشر، كما يكتشف أن التخلص من سيطرة “التالتوز” تتحقق بمواجهة الإنسان لنفسه بشجاعة، وهو ما تتوصل إليه فلير بمساعدة فرويد.

ولادة نجمة

ستخرج الممثلة الشابة إيلا رومف من هذا المسلسل، نجمة كبيرة وهي التي أدت دور “فلير سالومي” ببراعة ملفتة وقدرة كبيرة على التقمص والانتقال في التعبير والأداء بين الانفعالات المختلفة، مع حضور مدهش وجذاب على الشاشة. كما برع الممثل النمساوي روبرت فيستنر في دور فرويد، واستطاع أن يحمل المسلسل على كتفه في معظم الحلقات جنبا إلى جنب معوالانتقال ببراعة ما بين الشعور بالضعف والشعور بالقوة.

مسلسل “فرويد” ليس بالتأكيد عملا يمكن الاستناد عليه مرجعيا للاطلاع على عالم النفس، أو حتى كعرض دقيق لجانب من سيرة حياة فرويد، لكنه يظل عملا خياليا مثيرا وجذابا، يكفل للمشاهدين متعة المشاهدة خاصة في هذا الوقت الذي أصبح الجميع فيه، تحت الحصار داخل المنازل!

*المصدر: العرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق