*نزار آغري

 

في روايتها الأولى “غاسلة الموت”، تتحدث الكاتبة الكردية ـ الدنماركية، سارة عمر، عن الظلم الفظيع الذي تتعرض له المرأة الكردية. مشاهد فظيعة تشبه لقطات فيلم رعب، غير أنها أحداث جرت على أرض الواقع وأمام عيني الكاتبة. رجل يخرج من البيت حاملاً سكيناً في يده، ساخطاً، صارخاً، هائجاً. يهجم على فتاة صغيرة. يمسك بيدها ويجرجرها ثم يطرحها أرضاً. في هيجان مسعور يقطع لسانها. يقع اللسان على الأرض ويتراقص ثم ينكمش مثل حيوان مذبوح. الرجل هو والد الفتاة. وهو يفتك بها لأنها لطخت شرفه إذ ركبت الدراجة وأخذت تسوقها أمام أنظار الآخرين. تخرج امرأة من البيت. تصرخ، تبكي، تولول. هي زوجته، أمّ البنت، تحاول أن تخلص الفتاة من بين يدي زوجها. يصفعها ويتهمها بأنها هي التي أفسدت البنت. تدخل المرأة إلى البيت، ثم تظهر بعد قليل وهي تحمل صفيحة كاز تدلقها على رأسها ثم تضرم النار في جسدها. تحترق وهي ترقص مثل حيوان مذبوح.

 

تتذكر ذلك كله بطلة الرواية، وتدعى فرميسك، الراقدة في مستشفى في كوبنهاغن بالدنمارك.

كانت فرميسك صديقة تلك الفتاة التي قطع والدها لسانها. كانوا جيراناً. ماتت الأم وابنتها أمام فرميسك. الأم احترقت والبنت نزفت حتى لفظت أنفاسها.

 

ظل هذا المشهد راسخاً في ذهن فرميسك حتى بعدما هاجرت، مع أهلها، إلى الدنمارك. لكن هل كانت فرميسك أسعد حالاً من صديقتها؟ ربما، لأنها لم تتعرض إلى ذلك التقطيع الجسدي الفظيع، غير أنها كانت تعيش الرعب لأنها كانت مهددة بالمصير نفسه في أية لحظة.

حين ولدت أراد والدها أن يرميها لأنه كان يريد ولداً لا بنتاً، لكن جدتها، جوهر، أنقذتها وأخذتها وتولت تربيتها.

 

تعمل جوهر في غسل النساء اللواتي يتعرضن للقتل. النساء، النجسات، غير الطاهرات، غير النظيفات، المنبوذات، المهملات، اللواتي يتخلى عنهن أهلهنّ ويتركوهن للمجهول.

هي غاسلة النساء اللواتي يتعرضن للقتل دفاعاً عن الشرف، ويرفض أهلهن غسلهن ودفنهن في قبور العائلة. النساء اللواتي تحل عليهن اللعنة.

ما شهدته، ومازالت تشهده، كردستان من ارتكابات رهيبة بحق النساء، يتجاوز قدرة العقل على الفهم والإستيعاب. نفهم سبب إقدام النساء الكرديات على الانتحار. (تطرق إلى هذا الموضوع أورهان باموك في روية “ثلج” وأليف شافاق في رواية “اسكندر”، التي ترجمت إلى العربية بعنوان “شرف”).

 

لا لغز بطبيعة الحال. الأمر شائع في بلدان الشرق الأوسط، والعالم الإسلامي بشكل عام، ولا صعوبة في العثور على تفسير. ثقافة وتعاليم وتقاليد وأعراف تعتبر المرأة ناقصةً، مجللة ًبالعار والخطيئة منذ ولادتها.

 

لا تخبرنا الراوية عن سبب وجود فرميسك (ومعنى هذه الكلمة بالكردية: دمعة) في المستشفى. الأرجح أنها حاولت الإنتحار. وهي بهذا، وبجوانب أخرى كثيرة، تشبه الكاتبة.

 

ليست الرواية سيرة ذاتية بالكامل، لكنها تحمل الكثير من جوانب العيش التي مرت بها الكاتبة في مسقط رأسها، السليمانية، في شمال العراق، قبل أن تغادر، وهي في الخامسة عشرة من العمر، العام 2001، إلى الدنمارك.

 

حياة الكاتبة لم تكن أزهى من حياة بطلتها. تعرضت إلى الإحتقار والتهميش كونها فتاة. أجبرها أبوها على الزواج، عنوة، من أحد أقاربها. وهي حاولت الانتحار ورقدت فترة طويلة في المستشفى. الحال أنها استندت إلى ما عاشته في المستشفى لتسرد وقائع أحوال فرميسك هناك.

 

تعرضت الكاتبة في الدنمارك إلى حملة شنيعة من أبناء الجالية الإسلامية، لا سيما الكردية والعربية. تلقت شتائم وتهديدات بالقتل، الأمر الذي اضطرها إلى العيش في عنوان سري وبحماية الشرطة أربع وعشرين ساعة.

 

في مقابلة مع صحيفة دنماركية قالت: “لقد انتقلت من الجحيم هناك وها هو يلحق بي هنا.

جرائم الشرف، الرقابة العائلية، الإيذاء الجسدي، الإيذاء النفسي، القتل، كل هذا بات الآن من يوميات العيش في الدنمارك… كثيرون هنا اتهموني بأنني ضد الدين. هذا غير صحيح. لست أناهض ديناً يتعلق به مليار إنسان ويعتبرونه هويتهم. أنا فقط أريد أن أفهم من أين ينبع العنف والكراهية ضد النساء وكيف يمكن القضاء عليهما. أحاول أن أصف وقائع جرت وتجري على أرض الواقع وينتمي مرتكبوها لهذا الدين، من دون أن أعمم أو أصدر حكماً أخلاقياً”.

 

هناك في كردستان، حيث ولدت الكاتبة، ليس للمرأة صوت. ليس لها رأي.

على طريقة أليف شافاك، تقفز الساردة بين الماضي والحاضر، وتتلقف شذرات من هنا وهناك لتضع كل واحدة في مرآة الأخرى. في كردستان: تتعرض النساء للضرب والإهانة. الكل يراقبونها: الأب والأخ والزوج والعم والخال والجيران. رقباء أبديون مهمتهم التأكد من حسن سلوكها. وفي الدنمارك: هناك ما بات يسمى البوليس الأخلاقي، وهم رجال دين يقفون في زوايا الشوارع ويراقبون النساء ويطلبون منهن ارتداء الحجاب والتصرف بطريقة محتشمة.

*المصدر: المدن.

Leave a comment