*كه يلان محمد

كيف نقضي أيامنا ونحن في الحجر؟

العزلة الإجبارية أصبحت حالة كونية ويتحصنُ الجميعُ بهذا الإجراء من أجل البقاء، مترقبين انتهاء هذه الأيام المثقلة بكابوس كورونا. غير أنَّ الحياة لا تتوقف إنما يختلفُ نمط المعيشة. فمجال الحركة محدود، إذ تم التنازل عن الحرية نسبياً بغية عبور هذه المرحلة الحرجة. طبعاً الأمر لا يخلو من الفوائد، ويجب دائماً البحث عن الأدوات التي تحول الأزمة إلى فرصةٍ لإعادة النظر في معطياتك الشخصية، بدلاً من الاستسلام إلى الانفعالات السلبية. الآن ثمة فائض من الوقت، إذا كان ضيق الوقت هو ما أزعجنا قبل غزوة الوباء، فكيف تتصرفُ وأنت لديك كثير من الوقت، وفي ذلك نوع من التحدي. واللافتُ في علاقة الإنسان بالوقت بينما يمضي الأيام في عزلته، هو هاجس الالتباس الزمني، الأمر الذي يتبدى بمحاولة تحديد اليوم والتوقيت في البداية، ومن ثمَّ يتعودُ المنعزلُ على الوضع، وينتهي هذا الهاجس عندما يتمكن من أن يؤرخ لأيامه، ربما بالقراءة أو المتابعة أو العمل الذي يسدُ فراغه. بالنسبة لي أحاول أن أقرأ أكثر، لا سيما المؤلفات التي تعمقُ وعيك باللحظة، وكنت أقرأ رواية “يرى خلال الوجوه” التي تتناولُ خطر الإرهاب والتناحر الديني. لاحظتُ أنَّ الأدباء أكثر إدراكاً لهشاشة الإنسان، ولا يغَّرُ بهم وهم الخلود. أضف إلى ذلك، فإنَّ مصادر اكتساب المعرفة متعددةُ لدى الأدباء، ولا مكان لثقة مطلقة بمصدر بعينه يقولُ إيريك إيمانويل شميت، إن الوصول إلى المعرفة عبر وسيلة لاعقلانية أمر لا يزعجني. ومما يشدُ انتباهك أكثر هو تقويض صاحب “ليلة النار” لوهم القوة عندما يقولُ: “قد يبدو لك الحاضرُ قوياً مع ذلك ينكسر بأسهل من انكسار شعرة”، كأنَّ الكاتب بهذه الجملة يصفُ واقعنا الراهن وصدمة البشرية بما أحدثهُ وباءُ غامض من التحولات في التعامل والسلوكيات وطريقة التحية والترحيب والتعبير عن الحب، فيما ساد الاعتقاد بأنَّ الإنسان هو الكائن الأعلى فإذا به يرى نفسه في مرآة كورونا ليس كما توهم.

ماذا يتغير في عالم ما بعد كورونا؟

من المؤكد أنَّ عالم ما بعد الوباء يكونُ مختلفاً وتشهدُ الحياة تحولاتٍ على كلّ الأصعدة، والتوقعات تشير إلى ركود الاقتصاد وتفكك النظام العالمي، هذا إضافة إلى أنَّ الوباءَ قد أظهر للقاصي والداني محدودية دور رجال السياسة وقصر النظر لدى هؤلاء، إذ تحولوا إلى الوعاظ والناصحين والفئة التي تستحقُ التقدير والاحترام، هي الأطباء والعلماء والمتطوعين الذين تخندقوا في معركة المصير. أعتقد أن هذه الأزمة تضع كثيراً من المفاهيم تحت مجهر الأسئلة، مثل سيادة الإنسان وظاهرة مكننة الحياة والتوحش في التعامل مع الطبيعة. وكل ذلك يتطلبُ الاهتمام أكثر بالعلوم الإنسانية وفتح النقاشات الفلسفية بشأن تحسين سلوكياتنا ورؤيتنا، بحيثُ نكون أقلّ جشعاً وشراسةً. بعد الحروب الدينية الطاحنة توصلت البشرية إلى صيغة جديدة للعلاقة بين الدين والدولة، كما أن جرائم الأنظمة الديكتاتورية زادت الإنسان وعياً بشأن فوائد الديموقراطية، كما أتفادت بعض المجتمعات من تجربتها القاسية مع الحرب، وبدأت بإرساء نظام جديد يحفظُ مصالح الجميع. ربما تقولُ أنَّ كلما ذكر لا يخرجُ عن الكوارث الناجمة من قرارات وخطأ الإنسان، ونحن بصدد الحديث عن فيروس فتاك لا دخل للبشر به، لكن ما نعيشه الآن ليس إلا نتيجة تصرفات الإنسان وغروره. لا شيء خارج الإنسان يمكن أن يشكل الخطر عليه بل هو مَن يدمّر نفسه ومحيطه عندما يشطحُ في تصرفاته.

ما دور المثقف في الأزمات؟

مع أنّ كورونا قد فرض مسافة بينك وبين الآخر ولكن ذلك لا يعنى بأنَّ الآخر صار جحيماً. بالعكس، فإنَّ هذا الوضع يعزز الشعور بالتضامن، خصوصاً عندما اتضحَ بأنَّ التهافت والجشع والتكالب على المكاسب أمور لا تفنع. ونحن أمام لحظة مصيرية، حيث حلَّ الخوف على الجميع، ولا يفكر أشدنا عبثاً بمنطق الربح والخسارة، لأنَّ زحف العدو الغامض لم يتوقّف عند بلد أو مدينة، ويتعينُ على المثقف أن يقومَ بدوره ويكونُ مشاركاً ولو معنوياً في تخفيف الشعور بالهلع والتوتر. ولا يكتفي بالتفسير وسرد الوقائع، لأنَّ المطلوب ليس تفسير الوضع ورصد التقاطعات بين ما ورد في النصوص والأعمال والأفلام وبين الواقع. نعم، من الضروري أن نضع اللحظة في سياق الدورة الزمنية الكبرى، وتبدأُ عملية نقد الذات. نعم تقعُ نسبة من المسؤولية على عاتق المثقف لحؤول دون انسياق المواطن إلى مهالك الخوف، لأنَّ التوازن النفسي عامل أساسي في مقاومة المرض. كما أنه من الضروري ألا يخسر المثقف القدرة على التفكير في مرحلة ما بعد هذه الأزمة، ويقدم رؤيته لواقع الحياة بعد الخروج من عين العاصفة.

*المصدر: النهار. 

Leave a comment