*سليم البيك 

كتبتُ في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وبمناسبة البرنامج الاستعادي في السينماتيك الفرنسية في باريس، المخصص للمخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك، عن هيتشكوك كمخرج غير مفضل لديّ، وقارنته بآخرين مفضلين كغودار ودي سيكا، ذكرتهما تحديداً لأن برنامجاً استعادياً لكل منهما تلا برنامج هيتشكوك، وكتبت عن كليهما هنا، الأول في يناير/كانون الثاني والأخير في مارس/آذار.
لكن هذا لا يعني أن هيتشكوك ليس من كبار المخرجين في تاريخ السينما، وعدم أفضليته لديّ هو ذوق شخصي، لا أنحاز لأفلام التشويق مثلاً، وهو الجانر الذي يميز هيتشكوك. أقتبس من المقالة عينها: كل ذلك لا يعني أنه ليس من بين الأهم والأكثر تأثيراً في تاريخ السينما.» و»الأكثر تأثيراً» المقصود بها هنا، تعود لأفلام بعينها، فهيتشكوك من هؤلاء ممن يصنعون الكثير من الأفلام، عدد محدود منها تُعد أفلاماً ممتازة و»مؤثرة» في أفلام آخرين.
سألقي الضوء هنا على ثلاثة من أهم أفلامه، لكل منها أسلوبه المتميز عن الآخر، وثلاثتها تحكي عن لمَ هيتشكوك واحد من أهم صانعي الأفلام في العالم. وتمايزها عن أفلام لآخرين (غودار ودي سيكا أمثلة دائمة) تحكي لمَ هذه وغيرها من أفلام هيتشكوك ليست هي المفضلة لديّ. هذه فرصة في هذا الحَجرْ الذي نعيشه والذي – كما يبدو- نشاهد فيه أفلاماً أكثر مما تعودنا عليه، فرصة لإعادة اكتشاف الممتاز من أفلام هيتشكوك (1899- 1980) الذي ستمر في 29 إبريل/نيسان ذكرى 40 عاماً على رحيله.

«سايكو» Psycho
1960

قد يكون أكثر أفلام هيتشكوك إمتاعاً وتشويقاً، فبطلته التي يُبنى النصف الأول للفيلم على حضورها في مَشاهده، وتكون عنصر الجذب الأول للمُشاهد، تختفي في منتصفه، ليُبنى النصف الثاني من الفيلم على غيابها، فتغيب كذات وتحضر كموضوع.
يتم قتلها في مشهد الحمام الأشهر في هذا الفيلم، وهو مشهد القتل الأشهر في تاريخ السينما، والأكثر اقتراناً باسم هيتشكوك، في ما لم يألفه المُشاهد حينها، وهو أن يُترك من منتصف الفيلم، بدون بطله أو بطلته، مركز الحكاية. أول ما قد يخطر على البال بعد الجريمة هو أن مَخرجاً ما لا بد أن يلحقه يُعيد البطلة إلى الحياة.
هيتشكوك، الذي أرجع الجريمة في فيلمه إلى أسباب سيكولوجية فرويدية، لا يتوقف طوال الفيلم عن اللعب على توقعات المُشاهد، ومبعث الإحباط لديه، كما أنه لعبَ على الرقابة في حينه لأنها، هي كذلك، لم تألف أن يفلت منها ما بدا أنها مَشاهد عري لامرأة، وإن لم يسمح المونتاج الذي أداه هيتشكوك إلى الكشف عن لحظات العري، وقد أتعب الرقابة كثيراً في محاولتها التنقيب في مشهد الحمام القصير للكشف عن تلك اللحظات. كما أن كرسي التواليت، وله دوره في الحكاية، كان ظهوره في الفيلم، آنذاك، سابقة. إضافة إلى العنف المُصور، ما كان كذلك خرقاً لتابوهات هوليوود.
يختلف الفيلم عن الأسلوب الروائي السائد سينمائياً آنذاك، من خلال اتباع أسلوب تلفزيوني في تصوير الفيلم، وفي مجمل الجماليات فيه، وقد استخدم هيتشكوك لإنجازه فريق برنامجه التلفزيوني، بميزانية لا تزيد عن ميزانية متوسطة لثلاث حلقات، فكان الفيلم بالأبيض والأسود بعد أفلام ملونة لهيتشكوك. الموسيقى في الفيلم وترية فقط، وتلك المصاحبة لمشهد الحمام صارت وسماً للمشهد ولهيتشكوك. سيناريو الفيلم أُخذ عن رواية لروبرت بلوتش، مأخوذة بدورها عن أحداث واقعية. أما الحكاية، فهي أن موظفة جميلة اسمها ماريون، تسرق 40000 دولار من الشركة، ليسد بها عشيقها ديونه. تهرب بسيارتها على أن يلتقيا. تجبرها الأمطار على التوقف وقضاء الليلة في فندق على الطريق، صاحبه نورمان هو العامل الوحيد فيه، يعيش في منزل يطل على الفندق، وحيداً مع أمه المجنونة، كما يقول لماريون. يستضيفها ويقدم لها عشاءً. بينما كانت تستحم، يقترب منها أحدهم لا نرى ملامحه، ليطعنها. عشيقها وأختها ومتحر خاص يحاولون البحث عنها ويوصلهم بحثهم إلى الفندق.

«نافذة خلفية» Rear Window
1954

مصور صحافي اسمه جيف، مُقعد على كرسي متحرك، وساقه مثبتة بالجِبس في شقته في نيويورك، يمرر وقته بمراقبة بيوت الجيران المقابلين لنافذته العريضة، في نظرة موضوعية وبعيدة لما يحصل عندهم. يبدأ بالتيقن بأن أحد الجيران قتل زوجته، ودائماً من خلال المراقبة البعيدة، وتخلص من الجثة التي قام بتقطيعها ونقلها إلى خارج البيت في صندوق، فأرسل جيف خطيبته إلى الشقة للتحقق من ذلك، لكن القاتل يعود قبل موعده ويجدها، ولا ينقذها غير وصول دورية الشرطة التي اتصل جيف بها، وكانت قد وجدت خاتم الضحية، زوجة القاتل، لكن القاتل فهم حينها أن المصور يشتبه فيه، فيذهب إلى شقته، يتقدم منه لقتله، يقع المصور من النافذة ويتم توقيف القاتل، وبذلك يبقى المصور على كرسيه المتحرك إنما بساقيْن مثببتيْن بالجبس، بدل واحدة.

يُعد «نافذة خلفية» من أكثر الأفلام تجريبية وكمالاً في جانر التشويق. فالحالة التي يجد جيف نفسه فيها، مُقعدا، مُتلصصا، مُنتظرا وسلبيا، وحقيقة أن الكاميرا، باستثناء لحظات قليلة، تأخذ نظرته وتفسيره لما يحصل، طارحاً المخرج بذلك ترميزاً للسينما بالمجمل، والعلاقة بين الشاشة والمُشاهد، وهنا تحديداً نجد واحداً من عناصر الإثراء في هذا الفيلم.
يقدم هيتشكوك من خلال فيلمه، بسخرية حادة ومتشائمة، وببراعة استثنائية، تسلسلاً للأوجه المختلفة لحياة الزوج، رجلا وامرأة، على خلفية العزلة المعنوية، والازدحام المادي بين الجيران، والبانوراما المُقدمة هنا تتراوح بين شهر العسل الحميم، إلى الجريمة التي يرتكبها رجل في زوجته بدم بارد، وعن إرادة وتخطيط مسبقين. كما يقدم موزاييكاً لحي واحد سمته الأساسية هي انقطاع أفراده بعضهم عن بعض، لعله حالنا اليوم في زمن كورونا والحجر المنزلي. في عمل كهذا، يكون الديكور فاعلاً أساسياً لمتانة الحبكة التي تعتمد عليه لتتقدم. ويفرض الديكور على الحبكة حضوراً غير محدود للعالم، لعالم الحي بيوميات سكانه المختلفة وغير المنتهية. استخدامات الصوت في الفيلم كانت واقعية تماماً، مرتبطة هي كذلك بالديكور، فتخرج في معظمها من بيوت الجيران.

«فرنزي» Frenzy
1971

هو الفيلم ما قبل الأخير لهيتشكوك، نجول في الأحياء المزدحمة والقذرة والخانقة في لندن، في سوق الخضرة والفاكهة أكثر من غيره. في مكان مكتظ، حيث يلتقي الجميع بالجميع: المتهم والضحية، المجرم والشرطي. يطيل هيتشكوك انتظار المشاهدين للحظة يُقبض فيها على المتهم، ويُحبطهم للحظات، بخلطٍ بين الجريمة المروعة والهزل، خاصة في الحوار بين المحقق وزوجته، أثناء تناولهما العشاء الغريب الذي حضرته.
لقطات الخنق وتقطيع المشهد فيها فن هيتشكوكي خاص، ما تم تصويره وما تُرك للمُشاهد تخيله، كاللقطة التي انسحبت فيها الكاميرا، ونزلت رجوعاً من باب البيت على الدرج إلى خارج المبنى، جاعلاً من الكاميرا عيَن المُشاهد المتراجع هروباً، وربما خوفاً من مجرد التفكير بما يحصل في الشقة، التي دخل القاتل إليها مع ضحيته، مكرراً على مسمعها «أنت نوعي المفضل من النساء»، مدركاً، المُشاهد، أنه يتكلم عن نوع مفضل من الضحايا كون ضحاياه نساء شابات وجميلات، يغتصبهن قبل أن يخنقهن بربطة عنقه. وهذا واحد من أساليب التشويق الخاصة بهيتشكوك، أي تهيئتنا لمشهد الجريمة بدون أن يصورها، يتركنا لخيالاتنا التي تُشكل مشهد الجريمة كما نريد، معتمدين على ما سبقها، وكذلك على الصرخة المرافقة لها، الصرخة الأخيرة للضحية.
جثة عارية لامرأة تطفو على مياه التايمز، وتشد على رقبتها ربطةُ عنق، نسمع من يقول إنها جريمة «ربطة عنق» أخرى. الجريمة صارت حديث المدينة، خاصة لما اقترن بها من اغتصاب للضحية قبل قتلها، ولما تم تعميمه بخصوص الشخصية السايكوباثية السادية للمجرم. في الوقت ذاته يتواجد زوج سابق للضحية في مكتبها، قبل وصول المجرم إليها، فيُتهم ويُلاحق، ولا تزيد شخصيته المنفعلة والبغيضة في بعض حالاتها، ثمالته الزائدة، إلا شكوكاً تجاهه، من المُشاهد قبل إدراك من هو المجرم، إلى الشرطة والكل من حوله. وعلاقته الشخصية بالمجرم الذي قتل زوجته السابقة، تزيد من بؤسه ومن كونه شخصية مثالية ليصف المُشاهد، شفقةً، إلى جانبها.
كما في معظم أفلام هيتشكوك، يجمع الفيلم بين الرعب والتشويق والجريمة والسيكولوجيا. عُرض خارج المسابقة الرسمية في مهرجان كان السينمائي.
هذه ثلاثة أفلام لهيتشكوك، ليست أفضل ما صنع، فلم أذكر مثلاً فيلم «فيرتيغو»، لكنها نماذج متباينة لفهم أوسع لعالم هيتشكوك السينمائي.

*المصدر: القدس العربي

Leave a comment