هادئا وصامتا على غير المعتاد، جاء اليوم العالمي للتراث الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) في أعقاب العبث بالمواقع الأثرية وتدميرها وغياب جهود إحيائها وحمايتها، ولم يشهد فعاليات لإحيائه عالميا.

فبخلاف تبعاتها الصحية والاقتصادية، أثرت جائحة كورونا بشكل هائل ومفاجئ على قطاعات الفنون والتراث الثقافي، وأدت الأزمة الصحية لإغلاق معظم المؤسسات الثقافية والمتاحف ومواقع التراث الإنساني أبوابها بدءا من مارس/آذار من العام الجاري، أو قلصت نشاطاتها بشكل جذري مع الاكتفاء ببعض الفعاليات الافتراضية والإلكترونية.

وبالتزامن مع اليوم العالمي للتراث، يخسر العاملون في قطاع المتاحف والمواقع الأثرية وظائفهم بشكل متزايد، ولم تتضح مواعيد إعادة فتح مواقع الآثار والتراث، ولم يعرف متى تستأنف المؤسسات الثقافية نشاطها في معظم أنحاء العالم، وفي العالم العربي لا يمكن الوصول في الوقت الحالي لأغلب مواقع التراث الإنساني.

إغلاق عالمي
وقد أغلقت ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا ودول أوروبية أخرى المتاحف والمواقع الأثرية ضمن إجراءات الحد من التجمعات الجماهيرية في الأماكن العامة، وفي مصر أغلقت جميع المتاحف والمواقع الأثرية أمام الجمهور للتعقيم بدءا من 23 مارس/آذار الماضي، ولا يعرف على وجه الدقة ما إذا كانت متاحة في الوقت الحالي، وأغلقت متاحف قطر بدءا من 12 مارس/آذار وتأجلت المعارض الفنية.

وبدأت مؤسسات التوثيق والجمع -مثل المكتبات ودور المحفوظات والمتاحف- برامج توثيق مختلفة، وفي هولندا أطلقت المنظمة الوطنية لقطاع التراث الرقمي حملة لضمان توثيق وحفظ تغيرات المجتمع المرتبطة بزمن الجائحة، وأطلقت منصة تسجيل التاريخ الشفوي عبر الإنترنت مشروعا تفاعليا لبناء “خريطة صوتية لتسجيلات المدن الفارغة”.

وأثرت الجائحة بشدة على أعمال ترميم المواقع الأثرية، وتعطلت بسبب فيروس كورونا المستجد أعمال ترميم كاتدرائية نوتردام التي مرّ عام على حريقها الشهير.

ففي 15 أبريل/نيسان 2019، اندلع حريق في مبنى الكاتدرائية ذات الشهرة العالمية التي يرجع بناؤها إلى عام 1163 للميلاد، وتعتبر من أفضل الأمثلة على فن العمارة القوطية الفرنسية، وهي من رموز فرنسا، ولم تتضرر رغم الحروب وغيرها من المتغيرات طوال 857 عاما.

وعلى مدار قرون، استضافت الكاتدرائية مراسم تتويج ملوك فرنسا، وازدهرت شعبيتها عالميا بعد وقت قصير من نشر رواية فيكتور هوغو “أحدب نوتردام” عام 1831. وتسبب الحريق في انهيار برج بالكاتدرائية يبلغ ارتفاعه 93 مترا، إضافة إلى انهيار سقفها تماما، فضلا عن أضرار أخرى.

وكان من المقرر أن تبدأ أعمال الترميم بتفكيك سقالات كانت موجودة حول الكاتدرائية قبل الحريق من أجل أعمال ترميم دورية. ورغم إبداء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رغبته في إكمال أعمال الترميم خلال 5 سنوات، فإن خبراء الآثار يرون ذلك صعبا للغاية، بحسب وكالة الأناضول.

حفاوة ودمار
ورغم الحفاوة العالمية والسياحية بالمواقع الأثرية، فإن كثيرا منها قد تعرض للدمار والنهب والتخريب في الأعوام الأخيرة، خصوصا في بلاد الشرق الأوسط التي تعيش بعض آثارها عصورا مظلمة تقضي على معالمها التي ظلت صامدة آلاف السنين.

ومؤخرا، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب -في ذروة التصعيد مع إيران في أعقاب مقتل الضابط الإيراني قاسم سليماني- بأن بلاده قد تستهدف 52 موقعا في إيران بينها مواقع مهمة للثقافة الإيرانية، وتوالت ردود الفعل التي تدينه باعتبار أن قصف مواقع ثقافية وتاريخية “جريمة حرب” وفق معاهدة لاهاي لعام 1954.

وجاءت اتفاقية لاهاي ردا على الدمار الذي سببته الحرب العالمية الثانية لمواقع التراث الإنساني، وخرّبت الحرب العديد من الكنوز الثقافية على يد قوات الحلفاء والمحور. وعبّرت الاتفاقية عن رغبة المجتمع الدولي في تجنيب التراث الثقافي العالمي ويلات الحروب، والاعتراف بأن فقدان هذا التراث يمثل خسارة للبلد المستهدف وللإنسانية أيضا.

لكن ذلك لا يعني أن الجيوش والجماعات العسكرية توقفت عن استهداف التراث الإنساني. ففي الآونة الأخيرة، شهد العالم تدميرا وحشيا ونهبا للتراث التاريخي في سوريا ويوغسلافيا السابقة شرق أوروبا وفي أفغانستان والعراق وكمبوديا ومالي والعديد من البلدان الغنية بالآثار التاريخية.

وجرى في عقود ما بعد الحرب العالمية إحراق مبنى مجلس المدينة القديم في سراييفو عاصمة البوسنة -الذي يمثل ذروة معمار العهد النمساوي الهنغاري للبوسنة المستوحى من العمارة الإسلامية- بالقنابل خلال العدوان والقصف الصربي على سراييفو بين عامي 1992 و1995.

وجرى كذلك تدمير تماثيل بوذا باميان في أفغانستان عام 2001، وتعرض مسجد جنجويبر في تمبكتو في مالي لأضرار، وشهد جامع حلب الكبير (الأموي بحلب) ومعبد بعل في تدمر بسوريا دمارا كبيرا خلال السنوات الأخيرة.

وأبرزت هذه الحالات وغيرها كيف يمكن أن يصبح تدمير التراث الثقافي مجرد أداة من أدوات الحرب لاستهداف ذكريات وتاريخ وهوية شعب ما. وفي الواقع، غالبا ما يتم استخدام التدمير المتعمد للتراث الثقافي لهذا الغرض تماما، أي مسح آثار الماضي وتغييبه لشعب ما بحيث يمكن كتابة تاريخ جديد.

ويجري الاعتداء على التراث الثقافي في أنحاء العالم في وقت النزاعات والحروب، فخلال الثورة الثقافية للزعيم الصيني ماو تسي تونغ، تم تدمير الآلاف من المواقع التاريخية الصينية لتخليص البلاد من التأثيرات الرأسمالية والتقليدية؛ وخلال الحرب العالمية الثانية جرى تدمير مدينة وارسو البولندية القديمة خلال انتفاضة وارسو 1944، واستهدف الهجوم الألماني والغارات الجوية كلا من المناطق السكنية والمعالم التاريخية على حد سواء.

المصدر : وكالات,الجزيرة

Leave a comment