تشكيلسلايدرفنون

«الموت الأسود» في الفن التشكيلي

*موسى الخميسي

كلما بلغ التكاثف السكاني، في المدن والحضارات بعامة، حدا معينا وكلما تزايد تنقل الناس وكثرت تحركاتهم، توفرت شروط انتشار الأوبئة القادرة على أن تصيب أقصى عدد من الأفراد في كل الأوقات. ومن أشهر الأوبئة هي الطواعين. فالطاعون يضرب بأصوله في التاريخ القديم وبفعل قوته المدمرة والمخربة فقد صار في المخيال الجماعي يدعى بـ«الموت الأسود» وهو الوباء الذي صاحب الإنسانية لعدة قرون، وغالبا ما نجده منعكسا في الأعمال الأدبية والفنية الكبيرة.
والطاعون معروف منذ 3000 سنة على الأقل. ففي سنة 430 ق م أصاب أثينا فجعل سكانها يتخبطون في حيرة كما ذهب بحياة العُشر من سكانها مثلما أودى بحياة بارقليس صانع الهيمنة الأثينية في بحر إيجة. أما في الصين فقد سجل لنا التاريخ أوبئة منذ سنة 224 ق م.
ومن سنن الحضارة أن يتأثر كل من الثقافة والفن تأثرا بالغا بمثل هذه الأوبئة: في الفنون التشكيلية نجد تأكيدا على محوري الموت والألم مقابل الصفو والرصانة الموجودتين في فن الإيطالي «جوتو» (1266ــ1337) الذي يعتبر فاتح عصر النهضة الإيطالية في الفنون. أما المعماريات فقد عرفت بدورها ضربا من التطور الذي تولد عنه ما يسمى بـ«الغوطي المتلهب»، حيث نجد اندفاعات شبيهة بألسنة النار المتلوية.
يعود الرسم على الجص (الذي لا يختلف تقنيا عن الرسومات الجدارية أو الجداريات) المعنون بـ«انتصار الموت» إلى سنة 1446 وهو محفوظ اليوم في إحدى صالات قصر «أباتلّيس» بمدينة باليرمو العاصمة الإقليمية لجزيرة صقلية. وهذا العمل الفني هو العمل الأكثر تمثيلا لوباء «الطاعون الأسود»، إذ علاوة على كونه الرسم الأفضل حول هذا الموضوع، فإن موضوعه قد أكد، حد الهوس، على ذوات مروعة وغريبة في وحشيتها بتعبيرية قاسية وغليظة وهذه تُعدّ من الخاصيات النادرة في الفن الإيطالي مما يجعلنا نعتقد في أن الرسم المجهول صاحبه، هو من نتاج يد فنان عظيم.

تبدو اللوحة الجصية كما لو أنها صفحة كبيرة قد تضمنت رسوما صغيرة أو نمنمات، حيث نجد حديقة مترفة وبهيجة ينبثق منها شبح الموت، على صهوة طيف حصان قد رد إلى هيكله العظمي، بصدد رمي سهامه القاتلة التي تصيب شخصيات من جميع الطبقات الاجتماعية فتثخن فيهم قتلا. فشبح الموت ذاك قد ربط على جنبه منجلا ويصحب معه كنانة، وكل ذلك يشكل مجموع الصفات الإيكونوغرافية النموذجية لذاك الرسم. أما في أسفل الرسم فتظهر جثث الأشخاص المقتولين: أباطرة، آباء الكنيسة، أساقفة، رهبان، شعراء، فرسان وفتيات نبيلات. أما على اليسار فنجد مجموعة فقراء الناس وهم يضرعون إلى شبح الموت بأن ينهي آلامهم لكنه يتجاهل ذلك بكل قسوة. ومن بين هؤلاء نجد الشكل الذي ينظر إلى من يشاهد اللوحة على أنه رسم محاك لصاحب الرسم ذاته. ورغم ثراء وتعقد الموضوع فإن المشهد قد ركب بطريقة موحدة بفضل أساليب خطية ناجعة وبفضل الضربات واللمسات العريضة للفرشاة، تلك اللمسات القادرة على نقل وإيصال الكثافة المادية للّون.
ويعتقد أن هذا العمل كان له دور العمل الفني الملهم للوحة التي تحمل نفس الاسم والتي رسمها الفنان الفلمنكي الهولندي بيتر بروغل الأكبر (حوالي 1520-1530 – 1569) إثر زيارته لمدينة باليرمو سنة 1552 تقريبا لا تحديدا. كما يعتقد أيضا أن إنجاز اللوحة الجدارية «الغورنيكا» للفنان بيكاسو (1881 – 1973) كان ثمرة إلهام من نفس الرسم بباليرمو. إلا أن لوحة الفنان الهولندي بروغل «انتصار الموت» تعد بحق ما رمزية لفورة وثورة الغضب الشديد ولعدوانية هذا الوباء الذي أصاب أوروبا آنئذ.
والأمر من الناحية الفنية متعلق بموضوع فني قروسطي نموذجي واجهه الفنان بالإحالة إلى محاور إيكونوغرافية مختلفة: كمحور الرقص المروع (للهياكل العظمية مثلا)، فارس نهاية العالم، قيام القيامة (الهيكل العظمي المسلح بالمناجل) ومحور بعث ونشر الموتى، الذي يبديه من بعد الهيكل العظمي الخارج من الحفرة.
وتجدر الإشارة إلى أننا نجد دواعي أخرى قد أعيد تشكيلها في أعمال الفنان هيرونيموس بوش (1453ــ1516) مثل الزوجين المتحابين أو مشهد الناس الذين يقع سحبهم من على الجسر الذي حمل اسم اللوحة «جسر الأرواح» وإلى عذاب المتكبرين. لا شيء يدخر لنا في مثل هذه الأعمال الفنية، بل كل شيء فيها مبذول حتى الطبيعة نفسها: إذ نجد أن الهياكل العظمية تطيح بالأشجار، والبحار تغرق السفن ابتلاعا، وأنهار الحرائق تسوّد السماء، وهياكل عظمية لحيوانات منبجسة من الأرض وحيث ما ولينا نظرنا لا نجد غير الدمار، البؤس واليأس والموت والخراب.
طاعون آخر انتشر قرب مدينة يافا في فلسطين خلال حصارها من قبل القوات المسلحة لنابليون حوالي 1800. ولقد رسم لنا ذاك الطاعون الفنان أنطوان جان غروس (1771 – 1835) الذي تعرف على زوجة نابليون بونابرت جوزبينا بمدينة جنوا الإيطالية والتي بدورها قدمته لاحقا إلى نابليون. وبما أن نابليون قد انبهر بفن الرسام إلى حد كبير فقد طلب من الفنان أن يكون رديفا له كرسام رسمي لحروبه؛ وهي التجربة التي تمخض عنها عمله الأكثر شهرة: نابوليون يزور مطعوني مدينة يافا (1804).
في ذاك العمل الفني نرى القائد الفرنسي – في الوسط – وقد رسم إبان لمسه لأحد المصابين بالطاعون، وهي حركة، حسب تقليد آنئذ، اختص بها الملوك دون غيرهم لما وهبوه من سلطان يجعلهم يمتلكون قدرات هي من طبيعة المعجزات، مثلما كان شائعا، ولأجل هذه العلة نجد أن المصابين يحاولون بدورهم أن يلمسوا نابليون؛ بيد أن معاونه على خلافه نراه يغطي وجهه بمنديل للحماية حتى لا يتأذى من الرائحة الكريهة في المكان.

 

*المصدر: الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق