سلايدرفنونمسرح

لا تقلق عزيزي.. المسرح الفرنسي يأتي إلى بيتك

*أبو بكر العيادي

 

تحوم مسرحية “كادوك” حول ثيمة العمل داخل مؤسسة، والعلاقات المتوتّرة بين الأعراف وعمّالهم من جهة، وبين العمّال أنفسهم من جهة أخرى. ولكنها لا تكتفي بذلك، بل تتجاوزه إلى استقصاء أثر ذلك في حياتهم العائلية.

وريمي دي فوس، مؤلف المسرحية، له خبرة بهذه الأجواء، إذ سبق له أن تقلّب بين مهن كثيرة بعد أن أنهى دراسته الثانوية، وعاين أساليب أصحاب المؤسّسات في استنزاف طاقات عمّالهم، وتحريض بعضهم على بعض أحيانا، والأدوار الخسيسة التي يقوم بها العمّال أنفسهم تجاه بعضهم بعضا كالوشاية والتزلّف والعرقلة طمعا في ترقية.

وقد اختار جان ميشيل ريب، المخرج ومدير مسرح “رون بوان” الباريسي في الوقت ذاته، تناول هذه الثيمة. ثيمة أثر الشغل على سلوك الأفراد تأثيرا قد يصل إلى الإخلال بحياتهم الخاصة، بأساليب متنوعة يمتزج فيها الهزل والفودفيل والبولفار وحتى العبث، ليجعل من الطبائع البشرية مثار سخرية، ولكن بطريقة فنية تنتزع الضحك على مدار العرض.

وتبدأ الحكاية بشيء من العبث على طريقة غوغول، حين يفاجأ أحد موظفي مؤسّسة صغرى بشخص غريب جالس في مكتبه، هذا الشخص له هيئة قرد صغير الحجم لا يراه إلاّ ذلك الموظف كلما دخل مكتبه صباحا ليستهل يومه، وما ذاك إلاّ من أثر ملف “كارفليكس” على ذلك الموظف المهووس بدقة العمل وسرعة الإنجاز.

ثم ننتقل إلى ملمح من مسرح البولفار حين يقع لبس يؤدّي إلى سوء تفاهم، ذلك أن أبطال المسرحية هنا ثلاثة أزواج وثلاث زوجات تتقاطع طرقهم يوميا، فهم يقطنون العمارة نفسها، وتتوزّع المهام على الطريقة التقليدية بين زوج يعمل وزوجة تتولّى شراء ما يلزم البيت وترتيبه وإعداد الأطعمة، ما يعكّر الأمزجة ويخلق سلسلة من التوترات.

أبطال المسرحية هم فورتز، مدير مؤسّسة “كروم”، رجل يزاوج بين اللين والشدّة لاسيما إذا أحسّ بأنه غير محبوب، فهو يعاني من سوء ظن الموظفين به، إذ يصفه أغلبهم بالمستبد، ويعاني أيضا من الحالة النفسية لزوجته نورا، التي غالبا ما يعتريها توتّر يقودها إلى ما يشبه الهذيان، فيحتدّ طبعها وتكيل لمن يصادفها الشتائم، بدءا بزوجها. وسيرج غولون الذي يحلم بإزاحة فورتز والحلول محلّه، وهو سيء الطبع يصم الناس جميعا بالحمق ويستثني جوديت، زوجته المتبرّجة، المستهترة في سلوكها وهيئتها، والمبتذلة في خطابها.

وأخيرا هيرفي شميرتز المهووس بملف كارفليكس، ويمثل هو وزوجته ماريون صورة عن جيل هذا القرن، الذي يجد صعوبة في إيجاد موقعه في هذا العالم الرهيب، برغم إنسانيته ورهافة إحساسه. فالرجل دائم القلق، كثير الكوابيس، يخشى أن يفشل في المهمة التي كلّف بها فيفقد وظيفته، وزوجته حائرة لا تدري كيف تهدئ روعه.

واللبس الذي سوف يعطي للمسرحية دفعها وتواتر أحداثها أن فورتز أراد أن يخفّف عن زوجته شعورها بالوحدة والإحباط، فوجّه دعوة إلى شميتز وزوجته لتناول العشاء برفقتهما. ولكن الدعوة توجّه خطأ إلى من يريد به شرّا، أي غولون.

والمخرج، جان ميشيل ريب نظر إلى المسرحية كفسيفساء أشياء غريبة وبوليفونية أنوات، فالعقدة التي انبنت عليها بسيطة، ولكن تناولها مسرحيا جعلها تتبدّى على الخشبة ثرية بالأحداث والتقلبات والمفاجآت.

واستطاع أن يجعل تسلسل المواجهات سلِسًا بفضل الفضاء المفتوح، ما ساهم في إيجاد متنفّس للكتابة المركّبة والمتعدّدة العناصر التي دأب عليها ريمي دي فوس، وبفضل السينوغرافيا التي صمّمتها صوفي بيريز، والقائمة على مستويين، السفلي للعمل، والعلوي للحياة الخاصة، مع سلالم وجسيرات، ما سمح للأبطال بالتنقّل بسهولة في شتى الاتجاهات، وسمح أيضا بتغيير الديكور دون إخلال بإيقاع المسرحية وتنوّع مشاهدها.

“كادوك” مسرحية ناجحة، رغم ما شاب جزأها الأول من بطء، فالحوار مكثف كثافة تصيب المرمى، والأحداث متواترة على نسق مطّرد حتى النهاية. الطريف أن الكاتب استطاع أن ينتزع الضحكة من خلال موضوع يتسم بالقسوة والسوداوية، ونعني به عالم الشغل في مجتمع رأسمالي لا يعرف الرحمة.

بهذا العمل يُثبت ريمي دي فوس أنه واحد من كتاب المسرح البارزين في فرنسا، ولئن اعتاد أن يستوحي كتابته من الأنماط التي أظهر تمرّسه بها في أعماله السابقة مثل “إضراب”، و”إدارة” و”قناعة خاصة”، أي الفودفيل والبولفار، فإنه يضفي عليها طابعا مخصوصا من النقد الساخر، والمواقف السريالية الهزلية التي تذكّر أحيانا بألفريد جاري، وأحيانا أخرى بيونسكو وبيكيت.

يقول جان ميشيل ريب “ريمي دي فوس لا يروم إضفاء قيم أخلاقية على عالم الشغل، ولا أن يستخلص منه درسا أو يوجّه رسالة، وإنما يكشف لنا عن عبثيّته الهاذية. قليلون هم الكتاب الذين يفعلون مثله، ربما لأنهم مُرتعبون من إمكانية إثارة الضحك في صفوف الجمهور”.

*المصدر: العرب

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق