تشكيلفنون

الفنانة الكندية دومينيك بيلان تبحث عن حرّاس الفنّ

*عمار المأمون

باريس – يقيم المركز الثقافي الكندي في العاصمة الفرنسية باريس معرضاً بعنوان “انتقال” للفنانة الكنديّة دومينيك بيلان، التي عملت على جمع الصور والتسجيلات التي توثق عمليات إنقاذ أعمال فنيّة في أزمنة العنف السياسيّ، سواء أثناء الحربين العالميتين أو ما شهده العالم في الألفية الجديدة، كما أنجزت عددا من أعمال التجهيز التي تمثل الأوعية والأدوات والتقنيات التي استخدمت لنقل الأعمال الفنيّة الضخمة إلى مساحات آمنة، في محاولة لتتبّع رحلة انتقال العمل الفنّي، تلك التي تضيف إليه معاني جديدة تعكس الدور السياسي الذي لعبه، والقوى التي خضع لها وأدت إلى “انتقاله”، وكأن العمل الفنيّ يتحول إلى عدو أو رهينة أثناء الصراعات، بسبب مخالفته للشكل العام أو قيمته الماديّة.

أول ما يلفت الانتباه في المعرض هو عمل التجهيز الضخم “صروح 2” الذي أنجزته بيلان عام 2015، والذي يتألف من صندوق خشبيّ ملفوف بحبال أشبه بتلك التي تستخدم للتخزين، ترافقه أيضاً صور من الأرشيف الفرنسيّ توثق جهود الذين قاموا بإنقاذ اللوحات الفنيّة من متاحف باريس أثناء الاحتلال النازيّ، لكن ما يشير إليه العمل مباشرة هو الصندوق الذي احتوى جداريّة تيتان “صعود السيدة مريم” أثناء الحرب العالميّة الثانية، إذ نقلت من كنيسة دي فراري في البندقية وأخفيت حتى نهاية الحرب، لتعود إلى مكانها الأصليّ عام 1945.

الوقوف أمام الصندوق يحيلنا إلى صعوبة العملية التي قام بها القائمون على الكنيسة لنقل الجداريّة الضخمة، والتفاني للحفاظ عليها من أي خدش. هذه العمليّة تسائل مفهوم انتقال العمل الفنيّ نفسه، فالجدارية نفسها صممت كي لا تنقل، بل لتبقى في مكانها، وهنا نفكر بمعنى اسمها الحرفيّ أثناء سيرها طوال الطريق، كيف يمكن النظر إليها بذات الشكل السابق بعد أن علمنا المسافة التي قطعتها، وهل نزعُها كلياً من السياق الماديّ يُهدد الهالة التي تمتلكها؟

تثير صور اللوحات والأعمال التي تم تهريبها والحفاظ عليها في فرنسا الدهشة، إذ نتتبّع كيف أخرجت من متحف اللوفر لتخبّأ من بطش النازيين، الذين كانوا يحرقون ما يجدونه في حديقة تويلري بوصفه منحطاً ولا يتطابق مع “الجماليات الوطنيّة”، أعمال التهريب والإخفاء هذه هددت حياة الكثيرين، كونها كانت تتم بالتعاون بين القائمين على المتاحف العاملين فيها. وهنا تبرز واحدة من أهم المفاهيم التي يحاول المعرض أن يختبرها وهي المقاومة، فالحفاظ على التراث الإنساني ونقله والمخاطرة بالحياة في سبيله شكل من أشكال الوقوف بوجه الاحتلال، والحفاظ على تاريخ البلاد وهويتها ضد من يحاول أن يعيد تكوين الحكاية الوطنيّة وخصائصها، وكأن الحفاظ على لوحة أو حتى مخطوطة نضالٌ ضد النسيان وانتصار للإرادة والأمل.

صناديق الفراغ

يحوي المعرض العمل الأشهر لبيلان والذي يتألف من مجموعة من الصناديق الزجاجية مختلفة الحجم، كل واحد منها تكوّنه عدة طبقات، والنظر إلى كل واحد منها من الأعلى، يكشف عن أثر عمل فنّي ضاع أو سرق أو دمر بسبب الحروب الدينيّة والسياسيّة، أشهرها رأس بوذا، الذي كان في متحف كابول، وسرق بين عامي 1992 و1996، فالتمثال الذي يبلغ طوله 35 سم، ويعود للقرن السابع، اكتشف في الأربعينات، وحين دمّر متحف كابول على يد طالبان، كان واحدا من حوالي 100 قطعة تمت سرقتها، ولا نعرف مصيرها إلى الآن.

وهنا تأتي الأضواء المختلفة ضمن كل صندوق أشبه بطبقات الذاكرة التي تختلف في شدتها وعمقها، لتبدو نهاية الأثر الوحيد الباقي، وكأن بيلان تشكّل ظل العمل الفنيّ، ذاك الذي لا يمكن حفظه، بل نستطيع فقط تتبع أثره وكيفية انتقاله من الوجود الحقيقي إلى الذاكرة الرمزية للأفراد، إذ تبدو الصناديق الخضراء ذات الحواف المتقنة أشبه بمساحات في الذاكرة الإنسانيّة، وكأن الفراغ فيها شاهد على عنف الأنظمة السياسيّة، وهذا ما يتّضح في الصندوق الذي من المفترض أن يحوي قناعا يعود لسكان أميركا الأصليين لكن الحكومة الكنديّة صادرته عام 1921 حين كانت الرموز الثقافيّة هذه ممنوعة من الظهور علناً.

أعين بوذا الضائعة

نرى في واحدة من الشاشات في صالة العرض فيديو يحوي ثلاثة رؤوس لبوذا ضائعة تعود أيضاً إلى متحف كابول، لكن المميز فيها أن بيلان قامت بتحريك عيون التماثيل في الاتجاهات الأربعة، وكأنها تحاول اكتشاف ما حولها، أين هي في مساحة الغياب/ الضياع، من يحدق بها، ما هو الفراغ المحيط بها بعد عنف الاختفاء الذي تعرضت له؟

يحوي المعرض أيضاً مجموعة من الصور الفوتوغرافيّة التي قامت بيلان بتعديلها لتعكس العنف الذي تتعرض له الأعمال الفنيّة، إذ نرى بالحجم الكبير صورة نيغاتيف لعملية حفظ وتهريب تمثال “فينوس ميلو” الشهير، والذي تعرض للتخريب سابقاً وفقد يديه، وأثناء الحرب العالمية الثانية تم تهريبه من متحف اللوفر إلى قصر خارج العاصمة الفرنسيّة، وقد اختارت بيلان النيغاتيف بوصفه تعبيراً عن الذاكرة التي تضيع فيها الملامح، لتبقى الإطارات والأشكال الرئيسيّة.

كذلك نشاهد صورة لتمثال بوذا العملاق الذي دمرته حكومة طالبان في أفغانستان عام 2001، وتأتي شهرته من أن طوله 53 متراً، ويعود للقرن الخامس، وشكّل تدميره صدمة عالمية لأنه اعتبر “صنماً” حينها، لكن ما قامت به بيلان أنها أضافت للتمثال تعديلات ليبدو وكأنه مغطى أو يرتدي نقاباً، في إحالة إلى أن القمع الذي يتعرض له التراث الإنسانيّ في تلك المنطقة يتطابق مع ذاك الذي يتعرض له الجسد، فالاختفاء والاحتجاب ليس إلا عنفاً سياسياً ضد ما يُظنّ أنه مُعيب أو مُختلف.

*المصدر: العرب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق