إضاءاتسلايدر

رسائل في ذم الأم ومدحها

*سعيد خطيبي

 

تخيلوا وجه طفلة في الثانية عشرة من عمرها تُصادف صباحاً، وهي تسير إلى المدرسة، صورة أمها تتصدر مجلة إباحية، معروضة على واجهات الأكشاك كلها؟ خامرها العار، وقضت أيامها التالية تتجنب محادثة زملائها، كي لا تطفو قصة الصورة على الكلام، فلا تجد تلك الطفلة حيلة تُدافع بها عن أمها وتبرر فعلتها.
مرت سنوات على تلك الواقعة، كبرت الطفلة وتغيرت ردة فعلها إلى النقيض، وكلما عادت إلى تلك الصورة تمعنت في جمال أمها وحسدتها على ما استأثرت به من وجه ناعم وقوام ممشوق. تلك الأم كانت الممثلة الفرنسية دومينيك لافان (1952-1985) والطفلة ليست سوى المناضلة اليسارية والكاتبة كاترين أوتان (1973)، التي أصدرت كتاب «أخبروها أنني أحبها» (دار غراسيي، باريس 2019)، الذي تروي فيه علاقتها المضطربة مع أمها، واحدة من نجمات السينما الفرنسية في سبعينيات القرن الماضي وبداية الثمانينيات، التي توفيت في الثالثة والثلاثين من العمر، وتضاربت الآراء بين انتحار أو سكتة قلبية، فقد عثر عليها ممددة في حوض استحمام شقتها، وقيدت الشرطة موتاً طبيعياً، بينما شقيقتها تصر على أنها انتحرت، تركت ابنتها الوحيدة صغيرة، تُقاوم يتمها وعزلتها، وجربت البنت الغناء والسينما، حاولت أن تصير هي أيضاً نجمة الشاشة، لكن ذكرياتها القاسية مع أمها ألحت عليها في تغيير مسارها نحو السياسة، قبل أن تستعيد، وبعد صمت دام حوالي ثلاثة عقود، حياتها مع أمها، وتصدر كتابها، الذي جاء في فصول قصيرة أشبه بسيرة، أو رسائل حب وذم في آن لأمها، تذكرها فيه بما عانته معها، وتقر بفضلها عليها في اكتشاف لذة الحرية.
عاشت دومينيك لافان حياة قصيرة وصاخبة، لعبت في بداياتها أدواراً سينمائية ثانوية، واشتهرت مع فيلم «الباكية» (1979)، واحد من أنجح أفلام المخرج جاك دويلون، رفع من شعبيتها ورشحها لجوائز السيزار، وخلال تجربتها الفنية، التي تركت أثراً في جيل الثمانينيات، وقفت لافان بالقرب من أهم الممثلين الفرنسيين، على غرار جيرار ديبارديو (في فيلم «أخبروها أنني أحبها» الذي أقتبس منه عنوان الكتاب)، ولكن خلف الصورة المثالية التي روجتها عن نفسها، وجمالها الطافح الذي تسابقت جرائد ومجلات على التقاطه ونشره، كانت تحيا حياة شخصية صعبة، في تراكمات من الأزمات النفسية، تغرق كآبتها في الكحوليات، وفي تمرين ابنتها الوحيدة كليمونتين أوتان على الألم، ومن خلال الكتاب نشعر، في البداية، كما لو أن البنت تحقد على أمها، تذمها في كل فصل، ولا تتوقف عن معاتبتها، تستحضر مع القارئ قصصاً وأحداثاً تركت ندوباً في قلبها، كيف أهملتها أمها، فضلت الشرب والسهرات والمغامرات العاطفية السريعة، بدل الاهتمام بها، لقد ربت مؤلفة الكتاب كرهاً صريحاً لأمها، محت من مخيلتها صورة الممثلة التي يتهافت عليها المشاهدون، ولم تحفظ سوى سوء معاملتها لها، ميلها المفرط لتلبية نزواتها بدل الاعتناء بصغيرتها، مغامراتها الليلية التي غالبا ما تنتهي بشجارات مع عشاق عابرين، أو مع صديقات لها، ولكن شيئاً فشيئاً، خفت كره كليمونتين إزاء أمها، أعادت ترتيب مشاعرها تجاهها، وقد صارت هي أيضاً أماً، أوجدت أعذاراً لها، واستشعرت الشقاء الذي عاشته والدتها، التي تربت يتيمة، فصفحت عنها، وتحول كرهها لها إلى حب، ودونت شهاداتها عنها، في كتاب يستعيد سيرة لافان ومن خلالها شذرات من تاريخ السينما الفرنسية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

الأصل في الأشياء أن تعتني الأم بابنتها، لكن كليمونتين قلبت الصورة واضطرها تهور أمها أكثر من مرة بأن تعتني بها، وتقلب الصورة، ذلك ما تسرده في كتابها، لاسيما في لحظات إفلاس الممثلة دومينيك لافان أو «دومينو» كما تعود مناداتها المقربون منها، كانت تصرف عائدات مشاركاتها في الأفلام على الشرب وعلى السهرات، وما إن ينقضي ما في جيبها حتى تدخل في نرفزة وعصبية وخصام مع من حولها، وتضطر ابنتها إلى تهدئتها وإعادتها إلى رشدها. فقد انفصلت دومينيك عن والد ابنتها، المغني إيفان دوتان، أشهراً قليلة بعد ميلاد كليمونتين، ذلك ما حكته في الكتاب، والذي رغم ما تقدمه فيه من عتاب لأم غابت عنها كثيراً وتراخت في مدها بما تحتاج إليه من عطف، ولم تمنحها ما تريده ابنة من أمها، بل سببت لها حرجاً مع صديقاتها في المدرسة، بسبب صورة لها على غلاف مجلة إباحية، فقد استشعرت كليمونتين، في النهاية، حباً دفيناً لأمها، وأرادت في ختام الكتاب أن تعبر لها عن مشاعرها تلك، التي لم تتكرس سوى بعد مرور عقود من رحيل أمها المفجع، فقد فهمت المؤلفة في النهاية أن الشبح الذي خيم على أمها وأثر على سلوكياتها هو خوفها من الشيخوخة، ورغبتها الدائمة في الحفاظ على شبابها، بأن تظل مراهقة، بغضبها ورفضها وتمردها كما عاشت أزهى أيامها في انتفاضة (مايو/أيار 1968) في باريس.
قضت كليمونتين أوتان أكثر من ثلاثين عاماً قبل أن تقرر كتابة سيرتها مع أمها، في كتابة كاشفة وصادمة ومستفزة، وخلال الثلاثين سنة التي تلت موت أمها، امتنعت عن العودة إلى أفلامها، إلى أن شرعت في كتابة «أخبروها أنني أحبها»، فذهبت إلى السينماتيك تستعيد صورة أمها. «قررت هذه المرة أن أبحث عنك في السينماتيك، في مكتبة أرشيف السينما. أخفيت الأمر عن الجميع، وشعرت بأنني طفلة تخفي سراً ما. شعرت بأنني على موعد معك، وهذا الأمر أفرحني. لكن لماذا تأخر هذا الموعد؟»، كتبت وهمت تعيد مشاهدة أمها في أدوارها الثانوية وأخرى الرئيسية، وتدون سيرتها وذكرياتها معها، كما لو أنها تحيل أمها إلى فيلم آخر تعطل بسبب موتها المبكر.
في الأخير، وهي تفتش عما ورثته عن أمها، أقرت كليمونتين أوتان بأن والدتها الممثلة قد أورثتها، بشكل غير مباشر، طعم الحرية، تعلمت منها أن تعيش في مجرى خياراتها لا ما يفرضه عليها غيرها، أن تتجاوز العقود الاجتماعية، وتبتكر حياة لها بما يُلائم الطموحات التي رسمتها لنفسها.

*المصدر: القدس العربي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق