تشكيلفنون

“بوب آرت” مصري يسخر من زمن الاستهلاك الجمالي

القاهرة- بضربات فرشاته المتوترة كدقات قلب منتفض، وبرغبته الصارمة في تحري المفاجأة والإدهاش وخوض دروب غير متوقعة، نثر التشكيلي المصري سمير فؤاد (76 عاما) ألوانه المائية والزيتية المختزلة على مسطحات الورق والكانفاس في معرضه المنعقد على مدار ثلاثة أسابيع في غاليري بيكاسو بالقاهرة (يُختتم في 16 يناير الجاري)، منحازا إلى المعطيات الديناميكية والعناصر الإشعاعية التفجيرية وخبايا الطاقة الكامنة في المشاهد الآنية المنظورة والمحفورة في الوجدان والذاكرة.

بدافع الاستمتاع في المقام الأول، قدّم فؤاد لوحات معرضه الجديد، مراهنا على مصداقية التصالح مع الذات كبوصلة لإنارة الطريق، وكمنطلق جوهري لبلوغ ما يدور لدى المتلقي من هواجس، وما يعتمل بداخله من أحاسيس، وما يستشعره من نبض ودفقات انفعالية.

أطلق الفنان متّجهاته في سائر الأرجاء، متأرجحا بتلقائية بين تصوير البشر واستشفاف البيئة المحيطة وتجريد الطبيعة وتفتيت الزمن في محاولات دائرية لفهم المنظومة المادية الكائنة والمتغيرات التي طرأت على الإنسان والعالم، واستشفاف معدلات التراجع والخواء، من خلال قياسات الحركة والوقت على وجه التحديد.

وفي مضمار سعيه الطفولي، رغم مسحته الهندسية الفلسفية، إلى اكتشاف لب الكائن الآدمي، وحقيقة الأشياء، وفهم ماهية العلاقات، توقف الفنان المصري المخضرم أمام المعاينات الملموسة التي باتت عنوانا لليقين وسط كل

هذه المشاهدات المراوغة، حيث قدّم لوحات “البوب آرت”، والمقصود به فن العامة أو الجماهير أو الفن الشائع الدارج بالإنجليزية، وفيها أبرز بأسلوب هزلي ساخر مدى انخراط الحياة اليومية المعيشة في معترك التسليع والاستهلاكية.

انطباعات باقية

حرص سمير فؤاد في أعماله على حفر مسارات سرية صوب البدايات، التي لا تزول بزوال الأحداث، بكل ما تعنيه هذه البدايات من معان ودلالات، فهي دائما اللحظات غير المحددة، لكنها في الآن ذاته الحوائط الباقية، المعلّقة عليها الانطباعات البريئة، والآثار الذائبة في الضمير، وسنوات الطفولة والصبا، والاكتشافات الأولى للأشياء والمدركات والمذاقات، وهي الخطوط والصور التي لا تقبل المحو.

هذا الصمود أمام معول الهدم وقانون الفناء، ليس معناه الثبات، ففي تجربة سمير فؤاد المميزة هناك بقاء للموجودات الأصيلة، لكن مع استحالة ثباتها، فالحياة نفسها حالة حركة، وهذه الحالة منسحبة على كافة الأحياء والكائنات في البيئة المحيطة، وفي الطبيعة.

من هنا، فاللوحة غوص وتفتيش وصراع بين نقائض، وتسجيل لما ترك الزمن وما أخذ، وتشريح لما تحوّل وتبدّل، وتنقّل بين الحاضر المأزوم، والماضي المرغوب، بومضاته التي تحفّز النوستالجيا، وتستثير الشهية.

صهر الفنان ألوانه مهمّشا تفاصيل المعالم والأشكال، ولاغيا الحدود والفواصل بين التكوينات في دوّاماته وموجاته التعبيرية التفجيرية، الناهلة من عصارة التجريد، فالأسطح إشارات إلى ما تحتها، والوجوه رموز، والابتسامات زهور شاحبة والتمثال مشروع إنسان غير مكتمل.

وحمّل فؤاد الأمكنة والدروب والأزقة رائحة البشر وطبائعهم، من الاتساع والضيق، والتمدّد والانكماش، والطمأنينة والفزع، والرجاء واليأس، والبهجة والأسى، فالمقاعد والأبواب الخشبية ناطقة بأبجدية التجمد والشتاء، والنوافذ عيون البيوت والسجون المتطلعة إلى الحرية.

هذه التوليفة الثرية بالدراما والتدفق والشخوص والأبنية والجدل الزمكاني، مفتوحة كذلك على إمكانات الموسيقى الانسيابية وجماليات النحت والأبعاد المتعدّدة للرؤية المجسّمة، في ما يشبه سينوغرافيا متكاملة لفضاء مسرحي خصيب، والبطولة حاضرة في أغلبية الأعمال للعاديين والبسطاء من المصريين، ممّن جرفهم تيار الحضارة الزائفة، وزعزعت أضواء الحاضر الجديد استقرارهم وتمسكهم بجذورهم، ونالت مستجدات العصر من ملامحهم الموروثة المعروفة، وأضاعت هويتهم ومفاتيح شخصيتهم الراسخة.

فلكلور تاريخي

سلك الفنان سمير فؤاد طريقين نحو ما هو شعبي؛ الأول: لمس به ما هو فلكلوري تاريخي وممتد عبر العصور، من خلال سجلّ الذاكرة وعناصر التراث ورموزه كالأحصنة والعرائس (أحصنة الحلوى، عروس المولد، عروس النيل) وألعاب الأطفال في القرية والأحياء الفقيرة وغيرها.

كذلك من خلال الفنتازيا والطرح الأسطوري، وولوج عالم المرأة، العروس الحقيقية التي ينتظرها غد دام مشكوك فيه، من باب أنها كيان مقهور مغلق منذ الأزل على مجموعة من الشفرات المشحونة بالأوجاع والأمراض الاجتماعية الذكورية، على الرغم من دورها العميق في التخليق والبناء والعناية بالصغار والزوج.

أما الطريق الثاني نحو الشعبية، فقد تحسّس به الفنان يقين الحاضر الملموس وسط جملة المتاهات الكابوسية، وذلك عبر لوحات “البوب آرت” الهازئة، التي نقلت واقعا فيه الكثير والكثير من معالم التشظي والانسلاخ والصراخ “ذروة الألم” والمعاناة بسبب طغيان المادية والقيم الاستهلاكية والإعلانات التسليعية، مثل “الشيخ الشريب.. ماركة مسجّلة”، “ريفو.. يزيل الآلام بسرعة وأمان”.

رسم سمير فؤاد، في أعمال البوب آرت الهزلية، خارطة مغايرة لقراءة الحياة المصرية الراهنة بأسلوب تهكمي، ساخرا من الواقع النمطي الروتيني من جهة، ومن تقاليد الفن وقوالبه المدرسية من جانب آخر.

وحملت هذه الأعمال رؤية متمرّدة على ثقافة الصالونات الكلاسيكية ونظريات الفن التقليدية، انطلاقا من فلسفة فن البوب القائمة على أن ما يجتذب الناس ويؤثر فيهم هو ذلك النابع من الحياة بشكل مباشر، والمعبّر عن حركة الشارع ببساطة، وفق نظرة انتقادية محطمة للأطر، ومن خلال وسائط دارجة غير نخبوية.

تماهت لوحات البوب آرت في معرض سمير فؤاد مع نظرته العامة للفن، حيث دارت في فلك تجربته المبنية على التنبؤ والحدس والاستشراف من خلال سيولة المشاعر والعواطف، وذلك لكشف ما يدور في الطبقات الداخلية للإنسان، بحيث لا يقف الفن عند الملامح الظاهرية، وإنما يستشف الحقيقي والعميق والمسكوت عنه.

*المصدر: العرب. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق