عواد علي

 

يُعدّ المسرح الاستهلاكي أردأ أنواع المسرح التجاري، شأنه شأن أيّ اتجار بالبضاعة الرديئة. وعادةً ما يسوّقه المشتغلون فيه باسم “المسرح الكوميدي” و”المسرح اليومي” و”المسرح الجماهيري”، تسويغاً لما يهدفون إلى تحقيقه وهو جني المال أولاً وأخيراً. وانتقاصاً من هذا المسرح نعته الرافضون له بنعوت عديدة، منها “المسرح المبتذل”، “المسرح الوضيع″، “المسرح الهابط”، “المسرح الهزيل”، “المسرح التهريجي”، “مسرح الإسفاف”، “مسرح السفاهة”. وهو مسرح يقوم على نص يفتقر إلى أبسط مقومات الدراما، وإخراج كسيح، وأداء مسطّح يتعكّز على الإضحاك المفتعل، والتنكيت الفج، والألفاظ السوقية، والعبارات النابية، والتهكم الذي ينطوي، أحياناً، على إساءة، ونزعة عنصرية مما يدخل في باب “خطاب الكراهية”، مثل التهكم من أفراد أو فئات اجتماعية أو إثنيات معينة (السود، أو قصار القامة، أو الناس البسطاء… إلخ). وأحياناً يجري إقحام أشكال من الرقص الماجن والغناء في بعض العروض لجذب الشبّان والجمهور الساذج، بوصفهم مستهلكين مضمونين. وغالباً ما يشهر منتجو هذه العروض إعلانات في القنوات التلفزيونية يختارون لها مشاهد تداعب الغرائز.

 

يمكن أن نجد الأصول البعيدة لهذا النمط من المسرح في المسرحيات الساتيرية والملهاوية التي عرفها اليونانيون والرومان، ثم في مسرحيات الفارس (المهزلة) التي كانت تُقدم في أوروبا منذ القرون الوسطى، كجزء من الكرنفالات، أو الاحتفالات الفولكلورية الموسمية، و”تهدف إلى الإضحاك، وتقوم على تناحر شخصيات يخدع بعضها بعضاً”، ثم في مسرح الفودفيل في بداياته، وفي مسرح البوليفار إبان القرن التاسع عشر (المعجم المسرحي، ماري إلياس، وحنان قصاب حسن، ص 334).

ويربط الكاتب والمنظر المسرحي الأميركي إلمر رايس، في كتابه “المسرح الحي”، بين الاستثمار التجاري الذي يروم الربح وثقافة الاستهلاك ومسرح “الفارس″ في “برودوي”، مؤكداً أن الطابع الغالب في المسرح المحترف في أميركا هو طابع المؤسسة التي يموّلها أشخاص هم المستثمرون، والمديرون ممن يراودهم أمل كبير في تحقيق الربح. لذلك لا مفرّ من أن يكون الفيصل في اختيار مسرحيات ينتجها مسرح محترف هو تقدير المنتج لما تستحقه هذه المسرحيات من أرباح، وهي مسرحيات لا تهتم كثيراً بعناصر الدراما وبنائها وجمالياتها، بل بالإضحاك، إذ كلما زاد عدد المواقف أو الشخصيات المغرقة في الضحك كان العرض المسرحي أكثر جذباً للجمهور الواسع، الباحث عن الترفيه والتسلية، ومن ثم أكثر إدراراً للأرباح.

 

ويلاحظ رايس أن هذا المسرح يستغل المسرحيات استغلالاً اقتصادياً، وهو ما يُعرف بالاتجار بالمسرحيات، وذلك يعني خضوع العرض المسرحي للطلب، ولمبدأ أن السلعة الرديئة تطرد السلعة الجيدة. كما يعتمد بالدرجة الأولى على تمويل المنتج المستثمر، وعلى فرقة مسرحية لا تعتمد على المعونات من الجهات الرسمية مثلما هو حال المسرح الوطني وفرقه. ويؤكد أصحاب هذا المسرح أن الإجادة الفنية في المسرح غالباً ما تعوق النجاح التجاري.

 

ينتشر هذا النمط من المسرح في العديد من الدول العربية، ويُعدّ منافساً قوياً للمسرح الجاد، بسبب ضعف وعي شرائح واسعة من الجمهور، وضحالة ذائقتها، وفقر ثقافتها المسرحية، وشحة وسائل الترفيه الراقية، فضلاً عن الأزمات التي يعيشها بعض المجتمعات على أصعدة كثيرة، والتي تدفع هذه الشرائح إلى تفريغ همومها وإيجاد متنفس لها بأشكال تسلية مهما كانت مبتذلةً. ولعل العراق أبرز نموذج لذلك في ثمانينات القرن الماضي، خلال سنوات الحرب مع إيران، وبعد الاحتلال الأميركي للبلد. لكن للأسف لم تحضَ الظاهرة بدراسات معمّقة من طرف النقّاد والباحثين، بل اكتفى بعضهم بمقالات قصيرة في الصحف، تشجبها وتعدّها إساءةً إلى ما حققه المسرح العراقي في الستينات والسبعينات من تجارب إبداعية، وإلى مكانته المرموقة في المسرح العربي.

 

ويجد بعض مؤرخي المسرح العربي جذوراً للمسرح الاستهلاكي في العروض الهزلية التي كانت تُقدم في مواسم الأعياد بمصر (عيد شم النسيم)، وموسم السياحة والاصطياف في مدن الإسكندرية والسويس، في عشرينات القرن الماضي عندما انتبه المستثمرون من ذوي رؤوس الأموال إلى إمكانية كسب أرباح لا بأس بها من خلال توظيفها في تلك العروض. كما تمكن الإشارة إلى أصول لهذا المسرح في التمثيليات الارتجالية والاسكتشات والقفشات الساخرة التي كانت تُقدم في الملاهي والمقاهي منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى خمسينات القرن العشرين.

 

المسرح الاستهلاكي في العراق

ظهر المسرح الاستهلاكي في العراق، خاصةً في العاصمة بغداد، تحت مسوّغ حاجة الناس إلى نوع من الترفيه، للتخفيف من وطأة الحرب العراقية الإيرانية (1980- 1988) عليهم، وشيئاً فشيئاً صار هذا المسرح مصدراً لثراء سريع نزل على أصحابه من خلال الارتفاع المطّرد في نسب جمهوره، مما دفع بالمسرحيين، من ذوي المواهب المتواضعة، والطامعين بالمال والنجومية، إلى تقديم مسرحيات لم يكن شعارها غير الاستسهال، وتعجّل الوصول إلى ذلك الهدف. وبالانتقال إلى عقد التسعينات، الذي شهد حرباً مهولةً شنتها الولايات المتحدة الأميركة وحلفاؤها لإخراج الجيش العراقي من الكويت، وما تلاها من حصار مدمّر،  أصبحت الحاجة السايكولوجية والاجتماعية أكثر إلحاحا في طلب هذه المسرحيات الخالية من الفكر والابتكار، والمليئة بالضحك على كل شيء، والسخرية من أيّ شيء، وسط خراب لا مثيل له طال النفوس قبل الرؤوس. وهكذا، وجد المسرح الاستهلاكي الأرض الخصبة التي ينمو فيها، وينتشر حتى وصل عدد المسارح التي تقدم هذا النموذج يومياً في بغداد وحدها إلى نحو 25 مسرحاً هي أقرب إلى الكباريهات منها إلى المسارح، خاصةً مع دخول نجوم الغناء ممثلين في هذه “الحفلات” لتقديم وصلات غنائية بين مشهد “مسرحي” وآخر مثل (غزلان، سعدي الحلي، عبد فلك, المها…”، ثم دخول الغجريات من خلال فواصل رقص طويلة داخل العرض الواحد. وقد أدى هذا كله إلى تحويل فن المسرح إلى مجرّد ملهى ليلي يستعير شكل المسرح قناعاً له! (يُنظر: عبدالخالق كيطان، “المسرح بين الاستهلاك والتجريب”، صحيفة البيان الإماراتية، 21 مايو 2000).

 

وبعد غياب دام أكثر من سبع سنوات، عقب الاحتلال الأميركي، عاد المسرح الاستهلاكي إلى الواجهة في بغداد، وتحوّل، كما يقول الكاتب عبدالجبار العتابي، إلى ظاهرة ضربت قلب أهم مسرح في العراق وهو المسرح الوطني، الذي يُعدّ رمزاً للمسرح الجاد والملتزم والهادف، فضلاً عن مسرح آخر في شارع الرشيد (يقصد مسرح النجاح). لقد أصبح المسرح الوطني ساحةً فسيحةً يقام على أطرافها الصخب، وعلى صدرها يتعالى دخان الإسفاف عبر الكلمات والسلوكيات التي تحاول صنع ضحكات على شفاه المشاهدين، لكنها صناعة لا تحمل معها سوى “شر البلية ما يضحك”، فهي لا تعدو عن كونها ضحكات على مَن يقف على الخشبة، أو مثلما قال الفنان طه المشهداني، “الفنانون مجرد قرقوزات”. كما أكد الفنان عبدالستار البصري أن هؤلاء الذين أدخلوا السفاهة في الفكاهة ليس الذنب ذنبهم، بل ذنب المعنيين والمسؤولين والجمهور الذي يذهب إليهم، فهم يعملون بلا رقيب تحت شعار إذا لم تستح فافعل ما شئت. هؤلاء سفهوا الثقافة والفن والتمثيل، سفهوا كل شيء. والمطلوب الآن، في رأيه، ثورة أخلاقية، ثورة ثقافية من كل الفنانين الشرفاء بالخروج في تظاهرات، بأن يتكلموا في وسائل الإعلام كافة بصوت عال، وبأن يصرخوا في وجه هذا النهج المنحط، ووجوه المسؤولين عنه، والذين يروّجون له ويدعمونه مادياً (يُنظر: عبدالجبار العتابي، “المسرح التجاري عاد بإسفاف أقوى وتهريج أخطر”، صحيفة إيلاف الإلكترونية، 27 أكتوبر 2011).

 

ويرى الكاتب المسرحي والفنان حميد شاكر الشطري أن أغلب الأعمال التجارية الاستهلاكية أساء إلى المسرح من خلال زج بعض الراقصات (يقصد الغجريات) في عروضه، واعتبارهن فنانات أو نجمات في عالم المسرح، وهن يلبسن الملابس الضيقة والقصيرة، ويقذفن كلمات خادشةً للحياء من أجل استهواء حفنة ليست بالقليلة من الشباب المراهق. كما يقوم مخرجو تلك الأعمال باستغلال أصحاب العاهات وقصار القامة، والسخرية منهم على خشبة المسرح بعد إغرائهم بحفنه من المال هم بأمس الحاجة إليها، ما يوهمهم بأنهم أصبحوا نجوماً (حميد شاكر الشطري، “المسرح التجاري واستغلال قصار القامة بالضحك على الذقون”، صحيفة الجماهير، 25 سبتمبر 2016).

 

*المصدر: الجديد

 

 

Leave a comment