قصةنصوص

روح إيفانكا تنبح في البيت الأبيض

*عبد الرحيم التوراني

 

وصل عزرائيل في موعده المحدّد. لم يسجَّلْ عنه يومًا أنّه تأخّر دقيقةً أو ثانيةً عن موعده. كان في كامل زينته الملكوتيّة، وفي أبهى رهبته وهيبته.

لكنه لم يجد أحدًا في انتظاره. لم يعرف الملاكُ ما يعمله بجناحيْه وزينته. طاف على البيوت والشوارع، فوجدها خاليةً عن بكرة أبيها. وقف في ساحة مقبرةٍ امتلأتْ بقبورٍ فارغة، وأعلن براءتَه من أرواحِ موتى لم يكن هو مَن قبض عليها، وجهر بأن لا يدَ له في انطفائهم قبل الوقت.

عاد إليه الصدى: “عزراااائييييل…عزراااائييييل… ئييييييييل…”

أفزعه الصوتُ – الصدى. حمل أدواتِه ومضى يجرّ وراءه خيبةً لم يذقْ في مثل مرارتها قطّ.

***

لم يكد يمرّ وقتٌ طويل حتى شعر عزرائيل بالملل، وأحسّ بأنّ مصيرَه سيكون البطالةَ والموت إنْ لم يهاجرْ إلى دنيا أخرى، أرضٍ لم تصلْها بعدُ تكنولوجيا “الموت الذاتيّ.” لكنّه تذكّر أنه يفتقد إلى جواز سفر وتأشيراتِ دخول.

وسرعان ما انتبه أنْ لا دنيا أخرى غير هذه الأرض المحكومةِ بالعدم والفناء.

خاف على ضياع وظيفته التي يعيش منها، وهو لا يتقن عملًا غيرَها. فكّر في امتهان أشغالٍ موقّتة في انتظار الفرج. لكنّه أدرك أنّها ستحوّله إلى مجرّد عاطلٍ مُقَنّع، ولن تحلّ مشكلتَه جذريًّا.

ما العمل؟ لا أحد بحاجة إليه. فالناس صارت تُميت نفسَها وتُنهي بعضَها بعضًا.

صلّى لله ودعاه أن يُميتَه ويعجّلَ في القيامة، إذ هو يعلم أنّه آخرُ الموتى. لكنّ انتظاره طال من دون جدوى.

فتح شبكةَ الانترنيت ليتسلّى. وكانت المفاجأة أن اهتدى إلى موقع خاصّ يطرح عدّةَ خيارات جوابًا على سؤال: “كيف تنجح في تغيير مهنتك القديمة؟”

هكذا فتح عزرائيل محلّاتٍ لتسويق “الموت الذاتيّ،” واتّبع أسلوبًا يراعي سياسةَ القرب والخدمة السريعة واحترام الزبائن وتسهيل الحروب وضمان إشعال الفتن القاتلة والانتحار الصامت المكتوم.

وبذلك نجا ملاكُ الموت من الموت، وتأجّلت القيامة.

***

لكنْ ما هو “الموت الذاتيّ”؟

وما هو “الانتحار الصامت المكتوم”؟

كلُّ ما قد يخطر في بالكم ليس صحيحًا. الموت الذاتيّ يختلف عن الانتحار الصامت المكتوم.

“الموت الذاتي” كَالْيُوغا إذا شئتم. يجلس الواحدُ ويدخل في ذاته، أيْ يحبُّها حبًّا شديدًا. وبعد وقت غير محدّد، يجد نفسَه يغوص عميقًا في دواخله. تبتلعه ذاتُه، ويتلاشى في الهواء ويندثر، كأنّه لم يكن.

أما “الانتحار الصامت المكتوم”، فيعني انتقالَ الواحد إلى العالم الآخر، مع استمراره في التنفّس والوجود في هذه الدنيا، من دون أن يحسّ هو أو يعْلمَ الآخرون بكونه في عداد الموتى أو القتلى. وهذا الصنف هو الأكثر شيوعًا.

***

لم يكد عزرائيل يفكّر في الأرباح التي يمكن أن يحقّقَها حتى استُدعي على عجلٍ للتحقيق معه في “انتحال وظيفة،” وحُكم عليه بالطرد من سلك الملائكة. فنزل مباشرةً لا يلوي على شيء.

تذكّر رئيسَه السابق الذي فُصِلَ من العمل سنةَ خلْقِ آدم. هاتفَه طالبًا إليه أن يبحث له عن عملٍ معه. لكنّ إبليس اشترط عليه الطوعَ والانصياعَ، مع تبديل اسمه واختيار لقبٍ جديد.

اختار إبليس أن يرسل الملاك عزرائيل إلى منطقة الشرق الأوسط.

سأل عزرائيل إبليسَ أن يوظِّفَه رسولًا ونبيًّا. لِمَ لا؟ فالمنطقة المذكورة مهدٌ للأديان، ومهبطٌ للرسل والأنبياء.

لكنّ إبليس أفهمه أنّها وظيفة قديمة لن تطعم خبزًا في الزمن الحاليّ، وأن الأمر يتطلب كتابًا سماويًّا “لا وقتَ لدينا لصياغته ولا وقت للناس كي تقرأه.”

ثم طلب إليه أن يضع نياشينَ على كتفيه، وأن يحاول مساعدتَه في تدبير انقلاب عسكريّ ناجح للاستيلاء على السلطة وتولّي الحكم.

 ابتسم إبليس وسأله أن يُسقطَ من دماغه الأفكارَ العسكرتاريّة، وأن يتخلّى أيضًا عن فكرة تأسيس تنظيم حزبيّ قوميّ أو طائفيّ أو إيديولوجيّ.

ثم التفت إليه قائلًا:

–  لقد وجدناها! ستَحْلق لحيتَكَ، وتلبس لباسَ العرب القدامى. تعالَ لنعلنَ لك قيامَ دولة الخلافة “داعش.” قمْ وصمِّمْ لنا رايةً سوداء، سنحقّق بها أمجادًا وبطولاتٍ كبيرةً ونجاحاتٍ متتاليةً عبر العالم.

***

سارت الأمورُ وفق ما جرى التخطيطُ له. إلى أن جاء الإعلانُ عن انتحار رئيس داعش في الحدود السوريّة – التركيّة بحزام ناسف. فسارع عزرائيل إلى حلق لحيته، ليقف أمام أجهزة الإعلام بربطة عنقٍ يسيل منها دمُ ضحاياه الأحمر، وهو يسوّي حزامَه الناسف فوق بطنه الضامر، مبشِّرًا وسط أجواءٍ من الفخر والاحتفاء بمقتله في غارة عسكرية. وفي الوقت نفسه قام بتوشيح كلبٍ يدعى كونان، من فصيلة “المالينو البغدادي،” نُسب إليه أنه ساعد في تلك العمليّة التاريخيّة.

***

منذ تلك اللحظة اختفى إبليس، ولم يعثرْ عليه أحد.

 قيل إنّه معتقلٌ في سجن غوانتانمو. وقيل إنّه انتحر وترك رسالةً تتضمّن حكاية عزرائيل – دونالد ترامب. هي هذه الحكاية. وهذه ترجمتُها الكاملة عن النص المفقود غير الكامل. وقد قدّمها محامو ترامب للدفاع عنه أمام لجنة العزل، فاستطاع أن ينجو بفضلها ويستمرَّ في الإقامة في البيت الأبيض.

وقيل إنّه صار أقوى من الأوّل. لا يفارق كلبَه. وقد سرّبتْ مخابراتُ كوريا الشمالية أنّ روحَ إبليس تقيم داخل جسم هذا الحيوان “المدهش والرائع والذكيّ جدًّا.”

وفي بلاغٍ صدر عن البيت الأبيض، تمّ نفيُ شائعة “إحالة كونان على التقاعد.” وأضاف البلاغ “أنّ أمامه العديدَ من السنوات الجيّدة التي سيقضيها في الخدمة،” واصفًا إيّاه بـ”المقاتل الشرس.”

رفع الكلبُ أذنيْه وأخرج لسانه للصحفيين، ونبح ستَّ مرات أمام الكاميرات: “باقٍ إلى يوم الدين أيّها الكفرة!”

لم يفهم أحدٌ لغتَه. مرّرتْ ميلانيا ترامب يدَها الناعمة على رأس كونان، فنبح ثانيةً، وركض خلف إيفانكا التي نادت ضاحكة:

–  هيّا يا روحي. هيّا يا روحي.

فتبعها كونان محرِّكًا ذيله ذاتَ اليمين وذاتَ اليسار.

***

جاء في الأخبار أنّ الطلبات ارتفعتْ، خصوصًا في دول مجلس التعاون الخليجيّ، على اقتناء فصيلة الكلب كونان، وذلك على الرغم  من تنبيه خبراء الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى أنّ تربية هذا النوع من الكلاب ليست بالأمر الهيّن.

وقالت رئيسةُ لجنة الكلاب في الأمم المتحدة: “الناس يظنّون أن اقتناء هذا الكلب أمر ممتع. لن يكون الأمر كذلك إلّا إذا وُجد الكلب في البيئة المناسبة أو مع الدكتاتور المناسب.”

وأضافت إنّ هذا الكلب “ليس من النوع الذي يمكن أن تتركه في الفناء الخلفيّ للشرق الأوسط.”

*المصدر: الآداب

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق