مقالات

حوار القرن الثامن عشر

*د.ابتهال الخطيب

تعليقاً على مناظرة لي حول العلمانية عمرها يقترب من السنتين، كتبت المغردة خولة تقول على «تويتر»، رابطة بين مناظرتي ومناظرة أخرى، إنها جميعاً تؤكد «ضعف وهشاشة العلمانية وموقفها التعيس في العالم على مر التاريخ»، وحين سألتها عن معنى الموقف التعيس للعلمانية على مر التاريخ، استشهدت بمقطع للدكتور المتناظر حول الموضوع (في المناظرة الأخرى وليس مناظرتي)، الذي يشير إلى هتلر وماوتسونغ وستالين، متسائلاً «هؤلاء علمانيين أم مطاوعة؟» مشيراً إلى جرائمهم التي ربطها لسبب ما بإلحادهم المزعوم، وهذا خطأ تاريخي شائع، وبالنظام العلماني، وهذا ربط للحابل بالنابل. كتبتُ أردُّ على المغردة، قائلة: «لا شيء مما قاله الدكتور، مع احترامي له، صحيح.. أولاً. ولا علاقة بين الفاشية والنازية والعلمانية أبداً.. ثانياً. تركيا علمانية ومسلمة، أمريكا علمانية ومسيحية بروتيستانتية، أسبانيا علمانية وكاثوليكية، أي علاقة يطرحها الدكتور؟». مع الاعتذار عن توصيف الدول بالتدين، فالأشخاص هم من يحملون التوصيف الديني لا الدول في الواقع.
في ردها على سؤالي حول العلاقة بين العلمانية والفاشية، ردت خولة قائلة: «علاقة فصل الدين عن الدولة وعدم وجود رادع لممارسة الإجرام، بحكم أن العلمانية لا تأمر بالإجرام لكن لا تمنعه». الحقيقة جاء ردها على قدر ما هو غريب بقدر ما هو متردد في أذهان الناس الذين يعتقدون أن العلمانية هي نظام شامل يحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية ويشفي المريض ويفك السحر، وبقدر ما يسوق لنا التاريخ والحاضر المرئي الآن من أمثلة وإثباتات بأن العلماينة إنما هي جزئية بسيطة، حين يتم تطبيقها سياسياً، من السياسة المنظورة في الدولة، وهي جزئية متعلقة بحل مشكلة التمييز الديني، فقط لا غير، وأنها معنية بكيفية التقليل من أثر التطرف في الدول المدنية الحديثة، وعلى قدر ما تبقى قناعات معادي العلمانية بسبب من «غربيتها» راسخة بأن العلمانية تمثل حلاً شاملاً «فاشلاً»، حيث يسوق هؤلاء أمثلة لدول فاشية نازية شمولية متطرفة، رابطين أنظمتها العنيفة بالعلمانية، وحين تسأل ما العلاقة يكون الرد كما ورد على لسان الدكتور «وهل كانوا مطاوعة؟».
أولاً وقبل كل شيء، لا بد من تصحيح المعلومات التاريخية؛ هتلر مثلاً لم يكن ملحداً، والإلحاد أصلاً لا علاقة له بالعلمانية، ومن المخجل في الواقع إعادة تعريف العلمانية مراراً وتكراراً في مقالات لا يليق تكرارها في القرن الحالي، حيث عفا الزمن أصلاً على الحديث والتناظر حول العلمانية كمفهوم بات قديماً وأصبح متجذراً عميقاً في الوجدان المدني، حتى ما عاد هناك من حاجة لتسميته أصلاً، دع عنك التناظر حوله. لكننا شعوب سمعية، نكرر ما نسمع ونتناقل كأنه لعنة لا تحل عنا مطلقاً. يعرّف هتلر نفسه في كتابه «قصة كفاحي» على أنه مسيحي، وهو وحزبه كانوا يروجون «للمسيحية الإيجابية» كما يشير إليها موقع ويكيبيديا. إلا أن انتماء هتلر هذا لا يعتبر اتهاماً للمسيحية، كما أن تطرف أسامة بن لادن لا يدين الإسلام، وكما أن الصهيونية لا ينبغي أن تسبغ على اليهودية. وعليه، فإن الادعاء كذباً أو جهلاً بإلحاد هتلر أولاً يضعف وجهة نظر المدعي، وهو ثانياً غير مطلوب مطلقاً. فسواء كان هتلر مسيحياً أو ملحداً، ما علاقة ذلك بالنظام العلماني، وأي ربط بين فكرة فصل التشريع الديني عن التشريع المدني، وبين نازية هتلر واعتقاده بتفوق الجنس الآري؟
اليوم تبرز الكثير من الدول ذات الطابع الاجتماعي الديني، مثل تركيا وأمريكا وإسبانيا والهند (إلى وقت قريب مع الأسف)، والتي تتبنى نظاماً سياسياً علمانياً، بمعنى أنها تفصل تشريعاتها القانونية عن ممارساتها الدينية الاجتماعية، فأي تنافر بين أن يكون الشعب متديناً وتكون قوانينه علمانية؟ وأي استفادة تتحقق من هذا التحوير المستمر في التاريخ من خلال ربط الدول الفاشية والشمولية بالعلمانية والادعاء بأن أبرز مجرمي الحرب في العالم علمانيون؟ ولو صدق هذا الادعاء، فما علاقة العلمانية بفاشيتهم وشموليتهم؟ لقد كان هتلر فناناً (رديء المستوى)، وكان ماو تسونغ شاعراً، وكذلك كان ستالين، فهل الفن والشعر نازيان وفاشيّا الصبغة؟
العلماينة ليست حلاً سحرياً، هي لا تقدم منظوراً اجتماعياً ولا حلولاً اقتصادية ولا آرء في التطوير التعليمي، هي لا تفلسف علاقات الدول الخارجية وطريقة تداولها لشؤونها الداخلية. العلمانية «يا دوب» تقول بأن يكون التشريع القانوني مدنياً بحتاً، وذلك حتى تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع، فلا يشعر مواطنوها بالتمييز، وكان الله غفوراً رحيماً. يمكن للدولة أن تكون علمانية وتمييزية كفرنسا، ويمكنها أن تكون علمانية وعنصرية كأمريكا.. يمكنها أن تكون علمانية وذات طابع ديني قوي كتركيا وإسبانيا وتونس.. يمكنها أن تكون علمانية وذات نظام حقوقي إنساني قوي كالدنمارك والسويد.. يمكنها أن تكون علمانية (وإن جزئياً) وفاشلة اقتصادياً كاليونان.. قد تكون علمانية متراجعة كالهند، أو علمانية شمولية، علمانية ديموقراطية، علمانية رأسمالية، علمانية ماركسية، علمانية اشتراكية، علمانية متدينة (أي لجموع سكانها صبغة وحياة اجتماعية دينية قوية، أمريكا مثالاً)، ما لا يمكنها أن تكونه هو علمانية دينية، أي قائمة على نظام سياسي وقانوني ديني، وغير ذلك. كل التوصيفات الأخرى ممكنة لسبب بسيط، وهو أنه لا علاقة للعلمانية ببقية التصنيفات السياسية والاجتماعية والسياسية والدينية والحربية والتعليمية والإسكانية والصحية والمرورية وغيرها، لها علاقة بجانب واحد فقط: فصل السياسة عن التشريع الديني. وهتلر لم يكن ملحداً.. والإلحاد لا علاقة له بالعلمانية.. إي والله.

المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق