*ناتالي الخوري غريب

 

الانتظار وقوفٌ في أرض محروقة، والنظر في الجهات الأربع، ومحاولات التلهي بتأويل الرماد، لأننا أدركنا انتهاء الطريق عند تدفق الفراغ.
الانتظار صناعة الهباء في المسافات الميتة من العمر، باللون الباهت، بالظل النائم، بالحفر المستطيلة التي تتحضر لاستقبالنا.
الانتظار عكازنا الأخير، حين العتمة تحجب عن شباكنا زيارة الضوء الأخير، ولم يبق لنا إلا أحلامنا نعانقها وننام، ونعرف أنها أحلام، لكننا نتمسك بها، فهي تقصي عنا وحدتنا.
الوحدة؟ هي الألوان المجروحة فينا، بلا ضمادات، حيث العري يكشف مساحات الرماد في الجسد، والروح تشلع ما بقي منها لتضمد الجروح بلون يليق بالمشوار الأخير، بالانتظار الأخير. ذلك الانتظار الذي يستطيب السكن في لوحة «الزمن السائل» لدالي، يحملها الناس على رؤوسهم ويمضون بها نحو الشمس، لكنها تسيل على رؤوسهم، كالقابض الماء في يده إلى زمن العطش، لا يبقى شيء، هم يمضون إلى اللاشيء ويعرفون؛ كالساكنين في مسرحية صمويل بيكيت، ينتظرون غودو الذي لم يأت، لأن بيكيت لا يعرف غودو أصلا، بل يعرف أنه لن يأتي، لكنه جعل بطليه ينتظرانه، كذلك من قرأه، كلاهما تمرير الزمن بقبول الحياة كما هي.
وأنت بين حديث اللوحة وانتظار غودو أعزل عار، عار من العزاءات، فالعزاءات الغيبية ضرب من خيال غير ملموس، والعزاءات الحاضرة، أماتت الأصنام من كثرة اللمس. أنت بينهما تحيا الزمن الذي يمر بعجز العارف أنك محاصر باللامعنى، محاصر بالطريق إلى اللاشيء، تتمسك بقضية من هنا، وقضية من هناك، تسبغ عليها معاني لا ترضيك، لكنك تتآمر مع عجزك، تخلق معنى لا معنى له، كمن يتآمر مع ظله، بانحناءة هنا، وامتداد هناك، باقتراب وابتعاد يوهم الحس بقدرة التحكم بحجمك، قياسا وقيمة.
أنت أعزل من الوعود. خسرتها. كل ما تملكه مناروة. تمثل على نفسك دور المنتظر، دور الموعود. تمثل على الحياة بأنك تعيشها. فدموعك ذرفتها كلها زمن الانتظار الذي ظننته مجديا. يبقى هذا الجسد أمامك، تمدده، تتفقد موته، جزءا جزءا، في الموت اكتمال المعنى الذي بحثت عنه، ومن ثم تسخر من نفسك، تسخر من كل ماضيك، من الآتي، تسخر بالثرثرة، بالصمت، بالصراخ، لكنك تسخر. كالانتظار تماما، وقفة من سخرية، من الموت، من الحياة، من القضايا، والمعاني. تقع ساعة معصمك، لا تبحث عنها، لها وجه معتق بالضجر، ذلك الضجر الذي يتك في قلبك البارد، حين تعتقد أنك تنتظر أحدا، لم يرد يوما أن يأتي.
لكن الانتظار عجزٌ حين ترفض الرغبة مرافقته. الرغبة أيضا تموت. يحييها الكلام والوعد إلى حين. الانتظار عجز حين تصاب الإرادة بعسر الهضم من بؤس المشاهد على الطريق. الكتابة أيضا فصل من فصول الانتظار، تكتب الكون أمامك في دائرية تكرر نفسها، يتساوى فيها المشي على حافة الهاوية وعمق الوادي، الغابة والصحراء، يتساوى فيها الطفل والكهل، المتفائل والمتشائم، يتساوى فيها المعنى واللامعنى، العمق والتفاهة، الصبح والمساء، إلى أن تستيقظ المصادفات النائمة في الحفر المنسية، تبدأ بها فصلا جديدا، وتنتظر من جديد، تختلف وجوه العابرين، لكن نظرتهم هي عينها، وتتعرف إلى رائحتهم، هي رائحة العدم التي تفوح من ثيابهم، رائحة لا تزيلها المساحيق. إنهم العابرون الذين تخلصوا من الخيبات لأنهم تخلصوا من الوعود، وتخلصوا من تلك النبتة التي تمسكوا بها طويلا، نبتة الأمل، صاروا أسياد أسئلتهم التي لا تنتظر إجابات عنها.
هو كتابة الليل الطويل، بعينين تنظران إلى السقف، حيث تنكمش روحك بقعا في الزوايا، وأنت هناك، أسير اللاجدوى في انتظار الصباح، تكرر لنفسك حكاية ما قبل النوم لتحلم بها، تكرر الشريط عينه وأنت تكبر. لم يعد لك متسع من المكان في الصباحات.

 

المصدر: القدس العربي

Leave a comment