نثرنصوص

أيّها النحاس لن أزداد إلّا كرامةً

*عقل العويط

 

هذا مقالي الأوّل للسنة الجديدة.

لا. لن أغفو. لن أموت.

أخاطب المذكّر، كما لو كنتُ أخاطب تابوتًا لمقبرة.

أخاطب المؤنَّث، كما لو كنتُ أخاطب مقبرةً لهذا التابوت بالذات.

أيّها النحاس، يمكنكَ أنْ تحجب عنّي ضوء الصباح الشحيح. وأنْ تمطرني بطلاسمكَ بأمراضكَ بمكبوتاتكَ قدْر ما تشاء. كما يمكنك أنْ ترشد جرذان الثلوج والعواصف لتردم بابًا وحيدًا لا يزال مفتوحًا أمامي.

في مقدورك، بما أوتيتِ من سلطان، أنْ تمنع غريبةً تأتي في الليل لتؤمّن لي أرغفة الخبز، وتسدّد أثمان الزيتون الزهيد.

لا. لن أغفو. لن أموت.

يمكنني في مقابل ذلك، أنْ أتخيّل كم أنّ وحوش الغلط غفيرةٌ في عقلكَ الجهنّمي. وكم أنّ نحاسَ وجهكَ لا حدود لانتقامه المجّانيّ.

أدعوكَ – بل أتحدّاكَ إذ شئتَ – إلى أنْ تجرف تراب الأرض التي أقف عليها. وأنْ تفتح جهنّم تحتي. وأنْ تفخّخ ما بقي لي من هواءٍ في الرئتين.

وأدعوكَ – إذا شئتَ – أنْ تجفّف نهر السيولة المُفضي الى بصيرة حبري.

إيّاكَ أنْ تتورّع.

لكنّي، أنا من جهتي، لن أرعوي.

سأظلّ أجترح يديَن لجرْف ما تَرَاكَمَ من ثلوج الفساد، من ثلوج الكراهة على الباب. وهواءً لتمرّد الرئتين. وضوءًا لعينَي الفجر المسمولتين.

لا. لن أجوع. لن أسكت.

سأظلّ أعجن الطحين الافتراضيّ بماء العدم.

سأظلّ أخبز الأرغفة على صاج العقل وبجمر الغضب.

وسأظلّ أسيّل الحبر من جوع الينبوع إلى مجرى النهر.

ولن تنتهي أعماري.

لا. لن أغفو. لن أموت.

حقدكَ على الجمال، على المشاعر، على الأخلاق، على المعايير، على المعنى، على الحبّ، على الفكرة، على الاحتمال، على الحرّيّة، لن يزيدني إلّا جموحًا.

كأبناء الجرود، مناعتي، شأن كرامتي، شأن جنوني، لا وصف لها.

كحنانٍ مذبوحٍ على صفحة يد.

كشجرةٍ تورق غصبًا في صحراء الروح العقيمة.

كلّما ازددتُ يأسًا، أمعن قلبي في تأجيج الذكاء للأمل.

كلّما رأيتُني مضطرًّا إلى نومٍ شبيهٍ بالموت، تَفَتَّح في عينيَّ ما يشبه المستحيل.

أيّها الوجه النحاس، يا عريس المرايا البكماء، أيّها الزجاج المتفحّم، يا فم الوحش الساكت، أيّتها الفظاظة الحيوانيّة…

لا تسويات معي. لا مفاوضات. لا ابتزاز. لا هدنة. لا استراحة. لا نوم. ولا انتحار.

حربيَ مفتوحةٌ إلى أنْ تنتهي الأعمار. وهي لن تنتهي عمّا قريب.

يمكنني أنْ أبقى بلا طعام. بلا ماء. أعزل. إلّا من جبالي ومن جرودي.

هذه البهيّة الغريبة، كرامتي، ستظلّ تمدّني بالحبر. وستظلّ تأتيني بالحرّيّة، حرّيّة الخبز والزيتون في الليل المدلهمّ. وستظلّ تسهر معي على وحشتي إلى أنْ يتروّض زواج سهري ووحشتي.

ألن يستيقظ الفجر؟ سيستيقظ. وإنْ بضوء عينيه المسمولتين.

أخاطب المذكّر، كما لو كنتُ أخاطب تابوتًا لمقبرة.

أخاطب المؤنَّث، كما لو كنتُ أخاطب مقبرةً لهذا التابوت بالذات.

لا. لن أغفو. لن أموت.

أيّها الوجه النحاس، أمذكَّرًا كنتَ أم مؤنّثًا، لن أزداد إلّا كرامةً.
_______
*المصدر: النهار. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق