*سليم البيك

ليس من السهل القول إن هذا الفيلم أو ذاك، شعري («شعري» وليس «شاعري») كأن الفيلم قصيدة طويلة، له أجواء أشبه بالمجازات، فيلم – وهي حالة فيلمنا هذا – مبني على الكلمات، وهي كلمات يومية، كأننا أمام قصيدة تحتفي باليوميات، بالتوافه، في سياق هو أبعد ما يكون عن التفاهة، في سياق هو كذلك تاريخي، لنقل – وهي حالة فيلمنا هذا كذلك – هي يوميات مقاومة لنظام طاغية، لنقل، بتحديد أكثر في حديثنا عن هذا الفيلم، إننا أمام قصيدة سينمائية، هي تماما بريختية (نسبة إلى الشاعر والمسرحي الألماني بيرتولد بريخت). قصيدة يوميات في سياق مقاوم – وهي مقاومة شعرية كذلك – للنازية.

للفيلم الشعري، أجواؤه المبنية على الكلمات (الحوار) وعلى الموسيقى المرفقة بشكل دائم، كأنها خلفية دائمة، كأنها هي السياق الصوتي للحكاية، سياق ملازم تماما للكلمات/الحوار. والأجواء مبنية كذلك على بانورامية الصورة، على مواقع التصوير وهي الريف النمساوي، على الحكاية ذاتها التي لها هي عناصرها الشعرية الخاصة.

لنحكي عنها واحدة واحدة، لنبدأ بالحكاية حيث يبدأ الفيلم: زوجان سعيدان، ريفيان، يعيشان من العمل في الحقل ومع الماشية، يحبان بعضهما، يبدأ الفيلم بكلام لكل منهما نسمعه كموسيقى، مرافقا لمشاهد من حياتهما السعيدة، معا وفي مزرعتهما وبيتهما الريفي الدافئ، كل منهما يحكي عن الآخر ومعه، مخاطبا إياه في ما يبدو رسالة، من اللحظة التي التقت عيناهما فيها إلى سنوات لاحقة، إلى الزمن الراهن للحكاية.

 

سنعرف بعدها أن الحرب العالمية الثانية اندلعت، وأن الرجل واسمه فرانز، طُلب ليخدم في الجيش النازي، هنا تنقلب حياتهما بعدما رفض الطلب، وصارا يتعرضان لمضايقات واتهامات من أهالي القرية ومن السلطات، إلى أن تم اعتقاله أخيرا.

هي إذن حكاية مقاومة للنازية من نوع آخر، مقاومة لم تأخذ حقها سينمائيا، إذ كانت المقاومة كما صورها الأمريكان مثلا، أو غيرهم من الأوروبيين، كانت من الخارج، كانت مقاومة الفرنسيين للاحتلال النازي، أو «تحرير» الأمريكان لأوروبا من النازيين، وغيرها من مقاومات تكون – سينمائيا- أكثر إغراء من غيرها، إذ تعتمد على مؤثرات خاصة، وانفجارات وإطلاقات نار. المقاومة هنا هي أولا من الداخل، وهي ثانيا شعرية، وهي ثالثا سلمية، تعتمد إذن على جماليات الفيلم، وليس على مؤثراته الخاصة.

الحوار أتى هنا بشكل لافت، مُزيدا شعرية الخلفية الموسيقية، شعرية، أتى الحوار بشكل شبه تام كرسائل بين الزوجين، لكنها رسائل لم تُكتب، إذ لم نر أحدهما يكتب للآخر إلا نادرا، هو من سجنه مثلا، فكانت الرسائل أقرب للآمال والحكايات التي تمنى كل منهما أن يوصلها للآخر، من أفكاره ودواخله. فتطورت حكاية الفيلم على ثلاثة مستويات متوازية أُرفقت ببعضها: الكلام وكان رسائل كل منهما للآخر، الصور وكانت في غالبها بلا حوارات، كانت مشاهد مرفقة بالكلام، ولا ترتبط به بالضرورة، كأن نرى فيلما صامتا مرفقا بموسيقى بيانو، وثالثا الموسيقى الآتية كخلفية دائمة، خفيفة وسلسة وحزينة، كما هي أجواء الفيلم منذ تم استدعاء الرجلَ إلى الحرب.

الفيلم، إضافة إلى شعريته، هو إنساني في مقاربته للحرب، ناقلا حكاية مقاومة هي أقرب لعصيان مدني، مقاومة بالصمت، بالرفض، بقوة الإرادة الإنسانية المواجهة لسطوة السلاح، وهو هنا سلاح نازي. هو فيلم عن الحرب بدون أن نراها مندلعة، فيلم عن الحب بدون أن نراه هانئا، فيلم عن الإرادة بدون أن نراها واقعية، فيلم عن الحياة بدون أن نراها سعيدة.

يمكن لفيلم كهذا أن يكون جميلا بالاكتفاء بأحد تلك العناصر: الكلام والمشاهد والموسيقى، ومعها الحكاية وترميزاتها، لكنه أتى بها كلها، الرسائل الحميمية بين الرجل وحبيبته/زوجته، هي رسائل حب في زمن الحرب، رسائل تُظهر في هشاشتها بشاعةَ الحرب. المَشاهد أتت بتصوير كانت فيه الكاميرا تطفو كأنها تسرح على التلال الخضراء، تتنقل على مهل، بسلاسة كما هي رسائل الحب وكما هي الموسيقى. إن أردنا النسخة الموسيقية من تلك المَشاهد وتلك الكلمات، لكان ما سمعناه في الفيلم، موسيقى بنغمات منخفضة متواصلة، تماما كالمَشاهد التي تطفو، ككلمات الرسائل التي نسمعها تُقال بهدوء، في بيت ريفي على تلة خضراء تحت سماء صافية، أبعد ما يكون عن أي حالة حرب أو عنف أو قتل أو تدمير. بشاعة النازية، وعموم الحروب، بانت بوضوح في تناقضها مع حياة الزوجين العاشقين السابقة للحرب. التصوير الذي خرج به الفيلم أبانها بشدة أكثر، جمال الكلمات بينهما، الحب الكامن فيها، الموسيقى التي كانت تحمل الكلمات، كلها أبانت بشاعة الحرب، كما يصعب لفيلم آخر عن الحرب أن يفعل.

الفيلم (A Hidden Life) البديع هذا كتبه وأخرجه الأمريكي تيرانس مالك. شارك في مهرجان كان السينمائي الأخير ويُعرض حاليا في الصالات الفرنسية.

 

٭ المصدر: القدس العربي.

Leave a comment