سلايدرنثرنصوص

الواقعُ نصٌّ غيرُ واقعيٍّ

*عبد الدائم السلامي

 

مَن يكتُبُ نصَّ الواقع؟ وما هي مواصفات هذا النصّ؟ وهل له وظائف أدبية؟ وللإجابة على هذه الأسئلة سأهتدي بآراء إدوارد سعيد حول العالَم والنصّ والنقد، خاصة منها ما اتصل بعلاقة الواقع بالنصوص الكبرى، لأقولَ إنّ الواقع نَصٌّ في حالة إنجاز مستمرّ، إنه الدرجة «الصفر» للكتابة، وهو نصّ «فعلي» كثير الأحداث، ومُراوغ الدَّلالة، يُقرأ متنُه بالحواسّ وبالفكر، وتحكمه الحاجةُ (وهي التسمية الأيديولوجية للرغبة)؛ وما أعنيه هنا بـ«الفعل» هو الحركة، والصورة، والقول المُنتِج للحركة، فالصور أفعال و«الكلماتُ أفعالٌ» على حدّ رأي فيتغنشتاين، وذلك بغضّ النظر عن مدى صِدْقية أيّ قول، وأيّ صورة، فكثير من الأقوال الخاطئة أثّرت في الواقع ومازالت تؤثّر في مساراته الراهنة، ونحن مطمئنّون إليها، ذلك أن الصوابَ العامَّ إنما هو خطأٌ ينتظر وقتَ تصحيحه. ولا يكتبُ نصَّ الواقع فردٌ واحدٌ، وإنما يشارك الجميع في تأليف أحداثه، وفي أداء الأدوار في وقائعه وفي قراءته بدون استثناء، حتى الأموات والبهائم والملائكة وظواهر الطبيعة والأساطير يساهمون في إنجازه.

وفي هذا الشأن أشير إلى أنّ الواقع نصوص عديدة؛ لكلّ فرد من الناس أو فئة منهم أو شعبٍ من الشعوب نَصٌّ خـــــاصٌّ، ويمكـــن لي تشبيه كل واحد من تلك النصوص بقطعة من لعبة «بازل» لها شخصيتها الثقافية، ولها اتصالها العضوي بغيرها من القطع داخل اللعبة.

لِنَنْظُرْ في الأمر معا: إذا استعملنا المفهوم الشائع عن الواقع، وإذا كنّا أمناء لوفرة العقلانية التي نحن فيها الآن، ودَفَعْنا بتفكيرنا إلى الأمام قليلا لَقلنا مع جاك لاكان: «الواقع هو المستحيل بكلّ بساطة»، الواقع نصٌّ غيرُ واقعيٍّ، هو على الأقل نصٌّ غامضٌ، لأننا كلّما ظننا أنّنا عرفناه خيَّبت ظَنّيتُه ظُنونَنا، فنحن نعيش كلّ يومٍ اكتشافاتٍ له عديدةً ومبهرةً، وهذا ما يمثّل سِحرَه واستمرارَه ويطرح علينا في الآن ذاته السؤالَ حول حجم معرفتنا له. الواقع كونُ الخَفِيّات، إنه نصّ خام، وغير مكتَمِل في الزمن، نص هُلامي ما إن نزعم أننا أمسكنا به حتى ينفلت منّا كالسَّهْوِ (كان غي دو موباسان قد دعا في مقدمة كتابه «بيير وجان» إلى ضرورة تسمية الكتّاب الواقعيين بالكتّاب الواهمين!).

وبشيء من التأليف أقول: ما الواقع إلا نصُّ رحلته الدائمة من حال الإمكان إلى حال التحقّق، ومن حال القداسة إلى حال الانتهاك، إنه مَنْجم سرديّات متشابكة ومتصارعة، تخترق حواجز الأزمنة والأمكنة والأمزجة، في نَهِم إلى التكشُّفِ والانتظام والسُّلطة، كما لو أنه «رواية ضخمة نعيش داخلها» وَفْقَ ما يُذكّرنا به جيمس غراهام بالارد. وهذه الرواية في حاجة ماسّة إلى مَن يكشف أحداثَها وطبيعةَ علائق عناصرها في ما بينها، ويُثْبت لها واقعيتَها عبر سبيل كتابتها من جديد، سواء بالعلم أو بالفلسفة، أو بالأدب أو بغير هذا من الفنون الأخرى.

فإن يُعيدَ العلمُ كتابةَ الواقع يعني أن يصنع وظائف بين عناصره ويكشف عن سِرِّ اشتغالها ويُطوِّر علاقات الإنسان بها عبر سبيلِ «البَرْسيبتْ» Le percept، وأن تُعيدَ الفلسفة كتابةَ الواقع، يعني أن تُخْضِعَ ظواهرَه للسؤال وتقترح في شأنها مفاهيم جديدة تساعد على تفكُّرِها (هذا ما عرّف به جيل دولوز العلم والفلسفة)، وأن يعيدَ الأدب كتابةَ، الواقع يعني أن يُشكّل من عناصره نماذج ـ فنية وقِيَمية – تتمّ فيها دَوْزَنة حركة تلك العناصر وخلق ترابطاتٍ بينها جديدةٍ ابتغاءَ تحسين كيفيات حضورها الواقعي، بدون فوضى ولا لغوٍ، ذلك أنه «صار من غير اللازم على الكاتب أن يُعطي محتوى وهميًّا لروايته، الخيال موجود في الواقع، ومن ثَمَّ فإنّ مهمة الروائي هي خلق الواقع» (جيمس غراهام بالارد) وإذا أردتُ صوغًا تلخيصيا لهذا الشاهد قلت: إذا كان الواقع خياليًّا بتكنولوجياته أكثر من النصّ الأدبيّ، فإن على النصّ الأدبيّ أن يكون واقعيا في مقاصده أكثر من الواقع؛ بمعنى أن يكون مضادًّا للواقع، وإلاّ ظلّ نَسْخًا له وتقليدًا. وإذن، فالعلم والفلسفة والأدب إنما هي «آلات» للتواصل مع الواقع وجعله واقعيا؛ أيْ جعله جديرا بأن يُعاشَ باطمئنانٍ حَذِرٍ.

هل لنصِّ الواقع أدبيّة؟ الحق أقول إن الواقع نصّ متحوّل، وهو ما يجعل منظومتَه الإتيقيةَ ينالُها البِلى باستمرار (على الأقل هي تَبْلَى من حيث مدلولاتُها وإنْ حافظت على دوالِّها) فتصير في غير انسجام مع الجديد من وقائعه، وهذا الأمر يخلق فيه الحاجةَ إلى أنْ يُكتبَ باستمرار كتابةً تنظِّم إيقاعَه.

وإذن فالواقع لا يصنع الإتيقا وإنما هو مجال اشتغالها، بل قل هو منها الحاجةُ إلى إشراقاتها الفذّة، ومن ثَمَّ فإنه لا يقدر على منحِ مفرداته صفتَها الأدبية إلاّ استعارةً. ومن ثَمَّ فإنّ ما يصنع الأدبية هو الفكر المُبْدِعُ، فكرُ الكاتب، الذي يقرأ نصّ الواقع ليكتُب به نصَّا مضادّا يخلق فيه واقعا «مُتخيَّلا» ومُرغِّبًا للناس في تمثُّلِه وهم يصنعون حياتهم الواقعية.

*المصدر: القدس العربي.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق