مقالات

سعد البواردي: ومضة برق أبجدية!

غادة السمان

أطالع باستمرار مقال الأستاذ سعد البواردي في «المجلة العربية» الأدبية الشهرية (رئيس التحرير محمد عبد الله السيف)، وهو بعنوان «ما قل ودل»، وهو بحق كذلك. وأتفق مع كثير من آرائه، ولكنني أختلف معه كثيراً في المقطع الأول من عموده الذي طالعته (عدد تموز/يوليو 2019) حين انتقد «تلك العيون التي تحجبها عن الأنظار نظارات سوداء لا تكاد تفارقها خشية أن تفضح ما في دواخلها من مكيدة وخبث ومكر»!

تعاطفوا مع بعض أصحاب النظارات السوداء!

بدلاً من «أخذ الحيطة» واتهام من يرتديها «بالخبث والمكر» أحب لفت نظر الأستاذ سعد البواردي إلى أنني أخط هذه السطور وأنا أرتدي نظارتي السوداء، وإذا لم أفعل ستسيل دموعي على هذه السطور..
ما كل من يرتدي نظارة سوداء من أهل المكائد. ثمة من يرتديها بأمر طبيب العيون، وأنا منهم. لدي حساسية ضد الضوء الساطع: الشمس، وشاشة الإنترنت مثلاً، وغيرها كثير.
ما الذي يحدث إذا لم أرتد نظارتي السوداء؟ تسيل دموعي، هكذا ببساطة، وهو يحدث لكثيرين مصابين بمرض الحساسية ضد الضوء الساطع. ولذا، لا أستطيع للأسف معاقرة «الإنترنت» للدخول إلى الحقل العصري الإعلامي، حيث المواقع الاجتماعية والساحة الرحبة لتبادل الآراء، اليوم في «سوق عكاظ» عصرية، على الشاشة المضيئة.

البومة بلا نظارة سوداء!

يبدو أنني بومة بشرية حين يتعلق الأمر بحاسة النظر. فالبومة تغمض عينيها الشاسعتين نهاراً نصف إغماضة لأنها لا تملك نظارة سوداء، لكنها تذهب (لتحصيل رزقها) ليلاً، ما يخيف الناس ويجعل الكثيرين يتشاءمون منها ومن صوتها.
ولكنها مخلوق بريء من مخلوقات الله، تتكيف مع حقيقتها الجسدية، وتصطاد ليلاً، وأنا كالبومة، أي أكتب ليلاً حين يصير بوسعي التحكم في الإضاءة، وأذهب إلى صيد الأبجدية كأي بومة أخرى!..
كثيرون في الغرب يتفاءلون بالبوم، وفي سوريا ولبنان وسواهما يتشاءمون منه. من طرفي، لا أتفاءل ولا أتشاءم به، ولا أحب التطير الذي حرمه الإسلام، إنني ببساطة أحب البومة وأجدها جميلة.

دونما خبث يرتدون نظارة سوداء

حين وصلت إلى باريس للإقامة قبل عقود طويلة، كان الصيف معتدل الحرارة والغيوم تغزو السماء صيفاً، ولكن (الارتفاع الحراري) حقيقة مؤكدة، وأخط هذه السطور ودرجة الحرارة في باريس كما هي في دمشق مدينتي الأم.. أي 42 درجة مئوية.
والشمس ساطعة لم يألفها الغربي..

كانوا يتغزلون بالشمس وليس البوم!

بدأ التلفزيون الفرنسي، القنال 2، بعرض مسلسل يومي بعنوان «شمس كبيرة كهذه» قبل أن يحل فصل الصيف هذا مع موجة حر أولى في شهر حزيران/يونيو وأخرى بعدها.. سجلت فيها فرنسا وأوروبا الغربية عامة أرقاماً قياسية من الحر، والآتي أعظم، مع الارتفاع الحراري الذي يتنبأ به العلم لأسباب تتعلق بهمجية «الإنسان» المتحضر (مع الطبيعة) وفي تعامله معها، ولذا سيخالف المستقبل الواقعي معظم الأغاني الأوروبية التي تتغزل بالشمس، مثل أغنية «أنت شمس حياتي»، ولعله سيغني بعد اليوم مغازلاً «أنت غيوم حياتي»، وأغنية «شمس شمس، أنت شمسي» ليقول «مطر مطر، أنت مطري». وأتوقع سماع الكثير من الأغاني الأوروبية الجديدة عن الحب والثلج بدلاً من الشمس، كأغاني اليوم «أريد شمساً» أو «أريد شمساً مشرقة فوق فرنسا»، وسواها كثير. فالارتفاع الحراري حقيقة ستزداد ضراوة يوماً بعد آخر.. وذلك سيسعد بائعي النظارات السوداء في أوروبا!

متى يغرس رائد الفضاء عَلَمنا في القمر

أنتقل إلى موضوع آخر..
شاهدت فيلماً وثائقياً عن وصول البشر إلى القمر بمناسبة مرور نصف قرن على ذلك.. شاهدت الأمريكي آرمسترونغ يضع أول قدم بشرية على كوكب القمر، ويغرس أول علم على أرضه هناك، علم الولايات المتحدة.
وتمنيت لو كان ذلك العلم عربياً. ولو كان رائد الفضاء الذي وصل إلى القمر مواطناً عربياً من أي قطر ما.. كنا كعرب رواد الحضارة.. وكان الطلاب يأتون من الغرب إلى الأندلس ودمشق وبغداد وسواها للتزود بالعلم في جامعات ذلك الزمان. ولكننا، لسبب ما، انشغلنا بالاقتتال فيما بيننا، وقصّرنا في ميدان الحضارة والعلم والاختراعات، وسبقتنا إلى ذلك الأمم الأخرى..
وها هي U.S.A. تغرس منذ نصف قرن علمها في القمر، ترى متى نصحو من غفوتنا العلمية ويكون بيننا من يحقق أمنية أن نكون خير أمة أخرجت الناس. أم أن سباتنا الحضاري سيطول؟

انقراض أسماء «قمر» و«شمس» للإناث

اسم قمر كان منتشراً في دمشق للنساء حين كنت أعيش هنالك. أما اليوم بعدما تبين أن القمر ليس كوكباً مشعاً وأنه من الحجارة والتراب والحصى لا من الكتل الضوئية، قيل لي إن اسم قمر للنساء قد انقرض على الأقل في دمشق.
وفي باريس، لي صديقة من أسرة عربية مهاجرة افتقدت الشمس في أوروبا قبل عقود عديدة، وسمّت ابنتها «شمس».. ولكن الشابة «شمس» لن تجد الكثيرات في الغرب اللواتي يحملن اسمها بعد هذا الصيف الحار في فرنسا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وبريطانيا، حيث شبت حرائق غابات بسبب الحر.
كثيرة هي الأسماء التي ستتبدل مع الزمن، والمناخات، لكن أهل الحساسية ضد الضوء الساطع سيظلون يرتدون النظارة السوداء، وسيظلون يدمعون في الشمس الأوروبية الساطعة على الرغم من نظاراتهم السوداء التي ليست خبثاً، بل شبه علاج. وأختم مقالي هذا وقد سطرته بأكمله وأنا أرتدي النظارة السوداء!!.. ولكن بكل مودة صافية.. للناس كلهم. ويا أخي الأستاذ البواردي، ما كل من يرتدي النظارة السوداء من الخبثاء!

المصدر: القدس العربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق