سلايدرفنونموسيقى وغناء

الفنانة السورية ديمة أورشو تغني عن الألم والفقد والخوف

زينة شهلا

«ونامت عين العبد نامت. وعين الله ما نامت». «وإن دامت الشدة ما دام صاحبها. وإن دامت الشدة ما دامت المدة». «وكل شدّة على المسكين لا والله ما دامت». بكلمات مستقاة من تراث جنوب سوريا إلى شمالها وشرقها، وألحان وتوزيعات تعكس واقعاً تعيشه البلاد منذ سنوات، تقدّم الفنانة السورية ديمة أورشو ألبومها الجديد «هدوة» الذي أعلنت عن إصداره للجمهور أوائل الشهر الحالي.
على غلاف الألبوم ذي اللونين الأسود والرمادي كُتب «هدوة. تهويدات لأحلك الأوقات». التهويدات هي الأغنيات التي تنشدها الأمهات على مسامع أبنائهنّ ليلاً لتهدئتهم وجعلهم يخلدون إلى النوم، وفي الوقت ذاته كما تشرح أورشو على الغلاف أيضاً، هي «أغنيات لتهدئة عقولنا المهمومة في الأوقات الحالكة».
ويضم الألبوم تسع قطع تتنوع بين مؤلفات أصلية للفنانة، وكذلك لعازف الأكورديون المرافق لها، وتوزيعات حديثة لأغانٍ سورية قديمة. ويترافق الغناء مع عزفٍ على آلات الكمان والفيولا والأكورديون والبيانو والباص والإيقاع.

بوح عن الخوف والفقد

التهويدات بالنسبة للفنانة ليست مجرد موسيقى تساعد الأطفال على النوم، بل هي كما تقول ضمن فيديو تعريفي عن الألبوم: «كلمات وألحان تحكي الأم من خلالها أوجاع قلبها، ومخاوفها، وحاجاتها، ومكنونات نفسها، وتناجي القوى العليا لحماية طفلها، وكأن هذه اللحظات هي كل ما يمكن أن تنعم به من سلام مع نفسها في نهاية اليوم».
وفي حديث مع «القدس العربي»، تشرح أورشو باستفاضة أكبر عن فكرة الألبوم بالقول: «تنبع فكرته عاطفياً من الشعور بالارتباط العميق بما فقدناه ـ نحن السوريين ـ كأفراد أو جماعة، وحتى كبشرية جمعاء، فحالات الفقدان تأخذ في معظم الأحيان خطّاً واحداً وتؤثر على كل اهتماماتنا وممارساتنا وعلاقاتنا».
من ناحية أخرى، ترتبط الفنانة بالتهويدات على صعيد شخصي، باعتبارها أماً بدورها، وتشير إلى أن معظم التهويدات الأصلية في منطقتنا وحتى المقبلة من ثقافات أخرى، تحمل في كلماتها وألحانها خوفاً وبوحاً، حيث تطلب الأم الخير لطفلها وتحكي عن قسوة الحياة عليها وخوفها من المجهول وشوقها لأحبّة فقدتهم، «وهو حال أي أم وأنثى بشكل عام». بداية الألبوم كانت مع تأليف أورشو للقطعة الموسيقية التي تحمل اسم «هدوة» والتي لحّنت فيها كلمات من التراث الشفهي لمحافظة دير الزور السورية.

وخلال بحثها لإنجاز القطعة، تطرّقت لأغنيات المهد في سوريا والمنطقة، التي اكتشفت جمالها وأصالتها كما لم تعرفها من قبل. بذلك حصلت على نصوص أصلية لحنتها، وعملت على تطوير توزيع أغنيات أخرى ذات ألحان بسيطة، وأضافت لها مقطوعات أخرى لاستكمال الألبوم. ومن التراث السوري أيضاً، تغنّي الفنانة تهويدة «يا دايم» من جنوب سوريا، و»حمّودة» من الساحل السوري، و»نوم حبيب» ذات الأصول السريانية الآرامية ويعني اسمها «نم يا حبيبي»، و»نيني» من دمشق وريفها. ولم يكن العثور على كلمات هذه الأغنيات بالأمر السهل، «فالتهويدات تهاجر، ويستعيرها الناس ويغيّرونها بما يناسب فكرهم وبيئتهم، فهي إرث جمعي يصحّ لكل زمان ومكان». ولإنجاز تلك التهويدات الأربع، ومع محدودية المصادر، استعانت الفنانة بعدد من الأصدقاء الذين سألوا أمهاتهم وجدّاتهم عن تراث مناطقهم، وأيضاً بأرشيف بعض الملحنين والكتّاب القدامى، واختارت ما يلائمها، اعتماداً على النص واللهجة، مع محاولة التقيّد باللفظ قدر المستطاع.
يضم الألبوم أيضاً تهويدة «لاي لاي» الأذربيجانية الشعبية، و»نانا» وهي تهويدة إسبانية شعبية أيضاً، وكذلك قطعة «الدوار الثالث» وهي تهويدة كتبها المؤلف والعازف الألماني مانفرد لويتشر. وحدها قطعة «رحلة إلى الغوطة» لا تندرج ضمن نطاق التهويدات، لكنها ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً كما ترى أورشو، «فهي تأخذنا لذكريات رحلاتنا المدرسية المرحة والممتعة في غوطة دمشق، وهو مكان لم يعد موجوداً بشكله الذي نعرفه، لكننا ما زلنا نبني عليه ذاكرة طفولتنا الجميلة، والتي تشبه إلى حد كبير فكرة الألبوم ككل».

الموسيقى سفيرة المشاعر

اعتمدت التهويدات في ألبوم أورشو بشكل عام على ألحان بسيطة للغاية، حيث كان للنص النصيب الأكبر من الأثر على الموسيقى والحالة الدرامية، إلى جانب الإضافات الفنية من توزيع للعناصر الموسيقية والآلات المتنوعة، ما أدى في نهاية المطاف لتقديم قطع فنية متكاملة من حيث اللحن والكلمة والتوزيع، قادرة على تملّك وأسر من يستمع إليها. ويعني هذا التكامل وفق رأي الفنانة، العامل الأهم في الوصول لجمهور أجنبي قد لا يكون قادراً على فهم ما تعنيه النصوص، لكن الموسيقى هنا هي الحامل الأساسي للمعنى الذي تودّ نقله للمستمعين، وتضيف قائلة: «تأشيرة الدخول لعقول وقلوب الجمهور برأيي هي مدى الصدق والأصالة في العمل. أعتقد بأن الموسيقى تسبق الكلمة بشكل عام، فاللحن والتوزيع وما يحتويانه من حالة حسية هي ما يأسرنا، وبعد ذلك نلتفت للكلمات التي قد لا نفهم لغتها ومعانيها بالضرورة».
وتشير أورشو إلى واحد من أهم العوامل التي ساعدت بأن يبصر ألبومها النور بهذا الشكل، وهو التعاون مع عدد من الموسيقيين الحرفيين الذين تصفهم «بالعمالقة». رغم صعوبة إنتاج هذا النوع من الأعمال الفنية البعيدة عن الصبغة التجارية اليوم، وما يتطلبه ذلك من جهود عالية للتخطيط والتنظيم والتنسيق والإدارة، إلا أن فرصة العمل مع هؤلاء العازفين هي «من أجمل ما يمكن أن يحدث لموسيقي يسعى لمنتج فني بهذه السوية من الاحترافية»، وفق تعبيرها. ومع أملها بوصول أغنياتها لأكبر عدد ممكن من المستمعين حول العالم وليس فقط في سوريا والمنطقة المحيطة، تتمنى أورشو أن يقّدم الألبوم بعضاً من الأمان الذي نفتقده في زمن كهذا الذي نعيشه. «صحيح أننا لم نعد نجد الأمان حولنا، لكنني أعتقد بأننا عندما نقدّم حباً غير مشروط وغير محدود لبعضنا ولأطفالنا، نساهم بأن نحميهم ونعينهم على بناء شخصية مستقرة وواثقة وقوية في المستقبل، وهو ما يحتاجه أي طفل في العالم اليوم».

المصدر: القدس العربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق