سلايدرفنونمسرح

العرض المسرحي «أيام صفراء»… الحقيقة والمحاولات الهشة للتعايش

محمد عبد الرحيم

قد يبدو لك من بعيد أن المكان آمن، وأن الجميع يعيشون حياة مستقرة، في الشارع والعمل والبيت. ولكن بالاقتراب أكثر ستجد أن هذه العلاقات ما هي إلا محاولات كاريكاتيرية للتحايل على الحقائق، حقائق مرهونة بالتاريخ، وما اللحظة الآنية إلا غفوة أو سِنة من نوم، لا ينمحي معها تاريخ الضغائن الطويل. تاريخ سلطة اختلقت الفتن، ووجدت في استمرارها ضالتها وحصنها المنيع. وفقط لحظة عرضية كافية ليتحول المنظر الهادئ إلى جحيم. عن هذه اللحظة وتبعاتها يأتي العرض المسرحي «أيام صفراء» لمؤلفته السويسرية اليوغسلافية الأصل دانييلا يانيتش. التي كتبت النص عام 2006، كشاهد على مأساة تفكك هذه الدولة وانهيارها. قامت بترجمة النص نيفين فايق، وأعده درامياً عمر توفيق، العرض أداء.. رامي الطمباري، رباب طارق، عابد عناني وسارة عاشور. سينوغرافيا فادي فوكية، تصميم حركة محمد شفيق، إضاءة محمد عبد المحسن، موسيقى باهر جمال، إخراج أشرف سند. وأقيم على مسرح مركز الهناجر للفنون، في دار الأوبرا المصرية.

المغلوبون على أمرهم

ما بين حالة الحب التي تجمع زوجا وزوجة مختلفي العقيدة أو العِرق، هناك شقيق الزوجة، الذي يتمسك بماضيه، ويحاول أن يجد له مكاناً على الأرض، يبدو مهوساً بحقه الضائع هو ورفاقه أو جماعته، ويحاول دوماً إقناع أخته الموهومة بالحب ـ حسب وجهة نظره ـ أنها بفعلتها هذه أصبحت في عِداد الخونة. وبينما يحاول الزوج الهادئ ــ المُنتمي للفئة الأفضل من حيث الحقوق السياسية ــ الذي يبدو أكثر ثقافة أن يتمثل الصوت الديمقراطي، ويرى أن الحوار والنقاش هما أفضل السُبل لحل المشكلات، كما أن الجميع من ناحية أخرى يعاني من فئة ثالثة تفوق الجميع قوة وسُلطة. يبدو الأمر في البداية صراعاً حول مباراة يمثلها كل من الفريقين، وبينما يتقبّل الزوج فكرة الهزيمة، فاللعب مكسب وخسارة، يرفض شقيق الزوجة هذه الفكرة تماماً، فالنصر أو الموت ــ هوس الفئة المغلوبة على أمرها دوماً ــ والمرأة هنا هي التائهة بين الاثنين، رغم محاولاتها التوفيق بين أخ متعصب وزوج يحبها ويتمثل وجهة ديمقراطية حتى الآن، بما أنه من الفئة الأعلى نسبياً. وفجأة تنشب الحرب ضد الفئة الأعلى، والسلطة التي تحكم الجميع، هنا يقف الزوج وشقيق زوجته معاً ضد هؤلاء، ولكن هل انتصارهما سيحل المشكلة؟ هنا يتأزم الأمر أكثر، فبعد التخلص من العدو المشترك تبدأ المعركة الأساسية بينهما، التي خبت لزمن طويل، حاولت خلالها سلطة هشة تطويعهما لصالحها في الأساس.

العائدون

وبينما المباريات ثم الحرب بعدها مشتعلة، تتواتر الأنباء عبر مذياع الدولة الرسمي ــ إعلام الدولة وقتما كانت دولة ــ عن أخبار لا تنتمي إلا ما يحدث، سواء الأخبار المضللة، أو إذاعة أغنيات تتحدث عن الحياة الجميلة، وحالات السعادة التي لا تنتهي. وسط هذا السخف يعود الأخ ويخبر شقيقته أن الحرب انتهت، وانتصر فصيله، وزوجها الآن في صف الأعداء، وبما أنه أنقذه وقتما كانا معاً ضد عدوهما المشترك، فعليه الهرب. أما الزوج العائد وقد فقد كل ما آمن به من معتقدات وقت السلام الذي كان، وهدوء النفس وقراءة الكتب، فقد حوّلته الحرب إلى كائن مذعور لا يثق في أحد، يحمل وسامه القهري ــ فقد إحدى عينيه ــ حتى ملامحه التي ظن أنه يعرفها غادرته، متوتر، حتى المرأة التي يحب لا يجد يقيناً سوى أنها من الأعداء، وقد نسيّ كل شيء، ولا يؤمن سوى بعقيدة الانتقام، فلا يجد مفراً من قتلها في النهاية.

العرض المسرحي

ما بين مقدمة المسرح وخلفيته دارت الأحداث، حيث المنزل وعلاقات الأفراد في المقدمة، بينما في الخلفية والإضاءة الأكثر خفوتاً تأتي المباراة والصراع بين المشجعين، التي تحولت إلى الحرب في النهاية.
من ناحية أخرى غلب التجريد على الشخوص والمكان، فلا أسماء تحملها الشخوص، كما أن الديكور جاء بدوره بسيطاً كرسياً وأريكة، للإيحاء بكون ما يحدث لا يحده مكان بعينه، كذلك الزمن، فلا تفاصيل تعبّر عن زمن معيّن، هنا تصبح هذه الحالة لا تخص فئة أو دولة بعينها، بل تصلح لكل حالة مشابهة، ربما هذه الاختلافات وتفاقمها وتحولها إلى حياة تنتهي هي ما جعل العرض أكثر توافقاً في بلد مثل مصر، أو أي مكان عربي سقطت سلطته الهشة مصادفة، فظهرت كوارثه على السطح.
ما يؤخذ على العرض الكثير من المبالغة في أداء الممثلين، خاصة الشقيق المتعصب منذ البداية، كلاشيهات الصوت المرتفع، وتشنج الملامح والحركة. كذلك ظهور شخصية (ملاك الموت) فتاة صامتة تقود بأداء حركي راقص، تظهر كيفما اتفق في العرض، ربما ظهورها في النهاية بعد قتل الزوج لزوجته له ما يبرره، لكنه لم يُضف شيئاً.
إضافة إلى استعراضات دخيلة على حالة الشخوص، كان صوت المذياع والصوت من الخارج كفيلاً بالحفاظ على هذه الحالة والتعليق على تطورها.
وفي الأخير نرى أن كل فصيل لا يجد أمامه سوى فصيل آخر يراه عدوّه الأمثل في اللحظة الراهنة، والذي بالقضاء عليه سيظن أنه انتصر، لكن الأمر سيستمر للقضاء على أي آخر مختلف فكرياً كان أو عقائدياً، فهل سيكمن الحل في نفي هذا الآخر والقضاء عليه؟

المصدر: القدس العربي

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق